فهرس الكتاب
ومثل هذا قوله - صلى الله عليه وسلم: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) ، فإن بدلالته ونيته نزل منزلة الفاعل.
ومثل هذا من كان له وِردٌ يُصَلِّيه من الليل فنام، ومن نيته أن يقوم إليه فغلب عينه نوم كتب له أجر ورده، وكان نومه عليه صدقة، ومثله المريض والمسافر إذا كان له عمل يعمله فشغل عنه بالمرض والسفر كتب له مثل عمله وهو صحيح مقيم، ومثله (من سأل الله الشهادة بصدق بلَّغه الله منازل الشهداءِ ولو مات على فراشه) ونظائر ذلك كثيرة.
ثانيًا: والقسم الثاني: معذور ليس من نيته الجهاد، ولا هو عازم عليه عزمًا تامًا.
فهذا لا يستوي هو والمجاهد في سبيل الله، بل قد فضَّل الله المجاهدين عليه وإن كان معذورًا؛ لأنه لا نية له تلحقه بالفاعل التام كنية أصحاب القسم الأول. ... (طريق الهجرتين) .
فالخلاصة أن من نوى الجهاد، وسعى إليه، وبذل أسبابه، وسأل الله الشهادة بصدق، كتب الله له أجر شهيد.
فائدة:
ومع ذلك ننبه هنا إلى أنه ليس المقصود أن الله يكتب لمن سأل الشهادة بصدق جميع ما للشهيد الذي قتل في المعركة من الأجر والكرامة، وإنما يكتب له قدر أجر الشهادة مجردة عن كل أجور الأعمال المقترنة بالعمل الجهادي من تعب ونصب وجراح وبذل مال ونحو ذلك، فالشهيد وسائل الشهادة بصدق يستويان في أصل الأجر وليس في نوعه ومتعلقاته.
يقول الإمام النووي رحمه الله: واعلم أن الشهيد ثلاثة أقسام:
أحدها: المقتول في حرب بسبب من أسباب القتال، فهذا له حكم الشهداء في ثواب الآخرة وفي أحكام الدنيا، وهو أنه لا يغسَّل ولا يصلَّى عليه.
والثاني: شهيد في الثواب دون أحكام الدنيا، وهو المبطون , والمطعون , وصاحب الهدم , ومن قتل دون ماله , وغيرهم ممن جاءت الأحاديث الصحيحة بتسميته شهيدًا، فهذا يغسَّل ويصلَّى عليه، وله في الآخرة ثواب الشهداء , ولا يلزم أن يكون مثل ثواب الأول.
والثالث: من غل في الغنيمة، وشبهه ممن وردت الآثار بنفي تسميته شهيدًا، إذا قتل في حرب الكفار، فهذا له حكم الشهداء في الدنيا فلا يغسل , ولا يصلَّى عليه , وليس له ثوابهم الكامل في الآخرة. انتهى.
ويقول الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أن المذكورين - في الشهداء خمسة وغيرهم - ليسوا في المرتبة سواء، ويدل عليه ما روى أحمد وابن حبان في صحيحه من حديث جابر، والدارمي وأحمد والطحاوي من حديث عبد الله بن جحش، وابن ماجه من حديث عمرو بن عتبة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، سئل أي الجهاد أفضل؟ قال: من عقر جواده وأهريق دمه.
وروى الحسن بن علي الحلواني في (كتاب المعرفة) له بإسناد حسن من حديث ابن أبي طالب قال:"كل موتة يموت بها المسلم فهو شهيد، غير أن الشهادة تتفاضل. ... (الفتح) ."
ويقول المناوي رحمه الله: (وإن مات على فراشه) لأن كلًا منهما نوى خيرًا وفعل ما يقدر عليه، فاستويا في أصل الأجر، ولا يلزم من استوائهما فيه من هذه الجهة: استواؤهما في كيفيته وتفاصيله، إذ الأجر على العمل ونيته يزيد على مجرد النية، فمن نوى الحج ولا مال له يحج به يثاب دون ثواب من باشر أعماله، ولا ريب أن الحاصل للمقتول من ثواب الشهادة تزيد كيفيته وصفاته على الحاصل للناوي الميت على فراشه، وإن بلغ منزلة الشهيد، فهما وإن استويا في الأجر لكن الأعمال التي قام بها العامل تقتضي أثرًا زائدًا وقربًا خاصًا، وهو فضل الله يؤتيه من يشاء، فعلم من التقرير أنه لا حاجة لتأويل البعض وتكلفه بتقدير (مِنْ) بَعد قوله: (بلغه الله) ، فأعط ألفاظ الرسول - صلى الله عليه وسلم - حقها، وأنزلها منازلها، يتبين لك المراد. ... (فيض القدير) .
وبناء عليه فالفضل الوارد في حديث الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: (لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنْ