فهرس الكتاب
تخفي عليه سبحانه خافية من أعمالهم وأقوالهم.
وهذه هي المعية العامة، فالمعية تنقسم إلى قسمين:
معية عامة: وهي التي تشمل كل أحد من مؤمن وكافر، وبر وفاجر، ودليلها هذه الآية (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)
ومعية خاصة: وهي المعية لأوليائه المخلصين المتقين التي مقتضاها النصر والتأييد والحفظ والتسديد، كما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) وقال تعالى (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) وقال تعالى لموسى وهارون (قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) .
ففي الآية مراقبة الله، لأن الله مطلع علينا، لا يخفى عليه شيء من أعمالنا.
• وَقالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاء) .
يخبر تعالى أنه يعلم غيب السماوات والأرض، ولا يخفى عليه شيء من ذلك.
قال القرطبى: هذا خبر عن علمه تعالى بالأشياء على التفصيل؛ ومثله في القرآن كثير، فهو العالم بما كان وما يكون وما لا يكون؛ فكيف يكون عيسى إلهًا أو ابن إله وهو تَخْفى عليه الأشياء.
وقال السعدي: وهذا فيه تقرير إحاطة علمه بالمعلومات كلها، جليها وخفيها، ظاهرها وباطنها، ومن جملة ذلك الأجنة في البطون التي لا يدركها بصر المخلوقين، ولا ينالها علمهم، وهو تعالى يدبرها بألطف تدبير، ويقدرها بكل تقدير.
• وَقالَ تَعَالَى: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَاد) .
قال ابن عباس: يرى ويسمع، يعني يرصد خلقه فيما يعملون ويجازي كلًا بسعيه في الدنيا والأخرى، وسيعرض الخلائق كلهم عليه فيحكم بعدله ويقابل كلًا بما يستحقه، وهو المنزه عن الظلم والجور , (تفسير ابن كثير) .
• وَقالَ تَعَالَى: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُور) .
يخبر تعالى عن علمه التام المحيط بجميع الأشياء، جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها، دقيقها ولطيفها؛ ليحذر الناس علمه فيهم، فيستحيوا من الله حَقّ الحياء، ويَتَّقُوهُ حق تقواه، ويراقبوه مراقبة من يعلم أنه يراه، فإنه تعالى يعلم العين الخائنة وإن أبدت أمانة، ويعلم ما تنطوي عليه خبايا الصدور من الضمائر والسرائر. (تفسير ابن كثير)
• وَالآيات في البابِ كثيرة معلومة.
60 -وأما الأحاديث، فالأول: عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، قَالَ: بَيْنَما نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ذَاتَ يَومٍ، إذْ طَلَعَ عَلَينا رَجُلٌ شَديدُ بَياضِ الثِّيابِ، شَديدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لا يُرَى عَلَيهِ أثَرُ السَّفَرِ، وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيهِ إِلَى رُكْبتَيهِ، وَوَضعَ كَفَّيهِ عَلَى فَخِذَيهِ، وَقالَ: يَا مُحَمَّدُ، أخْبرني عَنِ الإسلامِ، فَقَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم: (( الإسلامُ: أنْ تَشْهدَ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله وأنَّ مُحمَّدًا رسولُ الله، وتُقيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ البَيتَ إن اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبيلًا ) ). قَالَ: صَدَقْتَ. فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقهُ! قَالَ: فَأَخْبرنِي عَنِ الإِيمَانِ. قَالَ: (( أنْ تُؤمِنَ باللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبهِ، وَرُسُلِهِ، وَاليَوْمِ الآخِر، وتُؤْمِنَ بالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ ) ). قَالَ: صَدقت. قَالَ: فأَخْبرني عَنِ الإحْسَانِ. قَالَ: (( أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّهُ يَرَاكَ ) ). قَالَ: فَأَخْبِرني عَنِ السَّاعَةِ. قَالَ: (( مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بأعْلَمَ مِنَ ... السَّائِلِ ) ). قَالَ: فأخبِرني عَنْ أمَاراتِهَا. قَالَ: (( أنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وأنْ تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ في البُنْيَانِ ) ). ثُمَّ انْطَلقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ: (( يَا عُمَرُ، أَتَدْري مَنِ السَّائِلُ؟ ) )قُلْتُ: اللهُ ورسُولُهُ أعْلَمُ. قَالَ: (( فإنَّهُ جِبْريلُ أَتَاكُمْ يعْلِّمُكُمْ أمْرَ دِينكُمْ ) ). رواه مسلم.
ومعنى (( تَلِدُ الأَمَةُ رَبَّتَهَا ) )أيْ سَيِّدَتَهَا؛ ومعناهُ: أنْ تَكْثُرَ السَّراري حَتَّى تَلِدَ الأَمَةُ السُّرِّيَّةُ بِنْتًا لِسَيِّدِهَا وبنْتُ السَّيِّدِ في مَعنَى السَّيِّدِ وَقيلَ غَيْرُ ذلِكَ. وَ (( العَالَةُ ) ): الفُقَراءُ. وقولُهُ: (( مَلِيًّا ) )أَيْ زَمَنًا طَويلًا وَكانَ ذلِكَ ثَلاثًا.