فهرس الكتاب
(إذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رجل) هو جبريل عليه السلام.
(لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ) أي لا يرى عليه علامة السفر وهيئته.
1 -الحديث دليل على وجوب مراقبة الله، وأن ذلك من أسباب إحسان العمل لقوله (الإحسان أن تعبد الله .... ) .
فالإحسان: فهو إتقان الباطن والظاهر بعبادة الله على وجه المشاهدة أو المراقبة.
قال ابن قدامة: أراد بذلك ـ أي الإحسان ـ استحضار عظمة الله، ومراقبته في حال العبادة.
وقال ابن الأثير: أراد بالإحسان الإشارة إلى المراقبة، وحسن الطاعة.
وقال النووي في شرحه للحديث: فمقصود الكلام الحث على الإخلاص في العبادة، ومراقبة العبد ربه ـ تبارك وتعالى ـ في إتمام الخشوع والخضوع.
وقال ابن حجر: وإحسان العبادة الإخلاص فيها والخشوع، وفراغ البال حال التلبّس بها، ومراقبة المعبود.
قال ابن منظور: فسّر النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - الإحسان حين سأله جبريل، صلوات اللّه عليهما وسلامه، فقال (هو أن تعبد اللّه كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك) أراد بالإحسان الإشارة إلى المراقبة وحسن الطّاعة فإنّ من راقب اللّه أحسن عمله.
وقال الشنقيطي: فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - الإحسان بقوله لما سأله جبريل ما الإحسان؟ (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) رواه مسلم.
وسؤال جبريل هذا ليعلم أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - معنى الإحسان، وأن إحسان العمل إنما يكون لمن راقب الله وعلم يقينيًا أن الله مطلع عليه.
لأن الإحسان هو الغاية التي من أجلها خلق الخلق، وأنه سبحانه يختبر عباده في إحسانهم للعمل.
كما قال تعالى في أول سورة هود (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) ثم بيّن الحكمة فقال (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) ولم يقل أيكم أكثر عملًا.
وقال تعالى في أول سورة الكهف (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا) ثم بيّن الحكمة بقوله (لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) .
وقال تعالى في أول سورة الملك (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ) ثم بيّن الحكمة فقال (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) . (أضواء البيان) .
فالإحسان: أن يأتي بالعمل حسنًا متقنًا لا نقص فيه ولا تقصير، وإحسان العمل لا يمكن إلا بمراقبة خالق هذا الكون.
قال ابن القيم: ولكن ركن الإحسان له مقامان: وهو (أن تعبد الله كأنك تراه) هذا هو المقام الأول، وهكذا جاء بيانه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث جبريل، (فإن لم تكن تراه) هذا هو المقام الثاني، (فإنه يراك) ، وانظر كيف بدأ بأعلى ما يكون من الإحسان، وهو أن يعبد العبد ربه سبحانه وتعالى كأنه يراه، يعني: وحاله حال الذي يعبد الله وهو يشاهده وينظر إليه، وكيف تكون الحال إذا كان العبد في عباداته، وفي ذهابه وإيابه، وفي معاملاته وجميع شئونه يتصرف وهو كالناظر إلى رب السماوات والأرض فوق سماواته مستوٍ على عرشه، يراه ويراقبه ويطلع عليه؟ تكون حاله في أعلى درجات الإيمان، وأعلى درجات الدين وهي درجة الإحسان، بل أعلى المقامين في الإحسان، وهو أن يعبد العبد ربه كأنه يراه، فهذا المقام كبير وشأنه عظيم، ويحتاج إلى استحضار تام وشهود متواصل، وأن يعلم العبد أنه لا تخفى على الله منه خافية، ويحتاج إلى زيادة العناية بمطالعة ما ذكره الله عن نفسه من الأسماء والصفات؛ فإن القلب إذا توالى عليه ما أخبر الله به عن نفسه، وما أخبر به رسوله - صلى الله عليه وسلم - عن ربه قوي قلبه، وأصبح العلم كالمشاهدة، أي: يكون كالذي يشاهد ربه بعينه في تصرفه، وفي عمله، وفي قيامه وقعوده وخروجه، وفي عبادته، وهذا المعنى أكثر الناس يغفلون عنه.
المقام الثاني: هو منزلة دون المنزلة الأولى (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) وهو استحضار مراقبة الله عز وجل واطلاعه سبحانه وتعالى عليك.
قال ابن القيِّم: وكلما اشتدت هذه المراقبة أوجبت له من الحياء، والسكينة، والمحبة، والخضوع،