فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 210

والخشوع، والخوف، والرجاء، ما لا يحصل بدونها، فالمراقبة أساس الأعمال القلبية كلها، وعمودها الذي قيامُها به، ولقد جمعَ النبي أصولَ أعمال القلب وفروعَها كلها في كلمة واحدة، وهي قوله في الإحسان: (أن تَعْبُدَ الله كأنك تراه) فتأمل كلَّ مقام من مقامات الدين، وكل عمل من أعمال القلوب، كيف تجد هذا أصله ومنبعه.

وقال رحمه الله: وَلا رَيبَ أَنَّ مُجَرَّدَ القِيَامِ بِأَعْمَالِ الجَوَارِحِ، مِنْ غَيرِ حُضُورٍ وَلا مُرَاقَبَةٍ، وَلا إِقْبَالٍ عَلَى اللّه قَلِيلُ المَنْفَعَةِ، دُنْيًا وَأُخْرَى، كَثِيرُ المُؤنَةِ. فَإِنَّهُ - وَإِنْ كَثُرَ - مُتْعِبٌ غَيرُ مُفِيد.

وَلِهَذَا قَالَ اللّه تعالى (الَّذِي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا) .

وَقَالَ (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) .

وَقَالَ تَعَالَى (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) .

فَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِنَّمَا خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، وَالمَوْتَ وَالحَيَاةَ، وَزَيَّنَ الأَرْضَ بِمَا عَلَيْهَا لِيَبْلُوَ عِبَادَهُ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلًا، لَا أَكْثَرُ عَمَلًا.

وَلِهَذِهِ المَعَانِي الجَلِيلَةِ، لَمْ تُغْنِ الصَّالِحِينَ كَثْرَةُ الأَعْمَالِ بِالظَّاهِرِ، وَقَالُوا: الشَّأْنُ فِي الصَّفْوَةِ لَا فِي الكَثْرَةِ.

وَأَمَّا الَّذِينَ أَغْفَلُوا مَا فِي القُلُوبِ، فَغَرَّهُمُ العَدَدُ وَالكَثْرةُ، وَمَا يَنْفَعُ رَفْعُ السُّقُوفِ وَلَمْ تُحْكَمْ مَبَانِيهَا؟!

وقال رحمه الله: المُرَاقَبَةُ الَّتي هِيَ مِنْ أَعلَى أَعْمَالِ القُلُوبِ هِيَ التَّعَبُّدُ لِلّاهِ بِاسْمِهِ الرَّقِيبِ الشَّهِيدِ، فَمَتَى عَلِمَ العَبدُ أَنَّ حَرَكَاتِهِ الظَّاهِرَةَ وَالبَاطِنَةَ قَد أَحَاطَ اللّاهُ بِعِلمِهَا، وَاسْتَحْضَرَ هَذَا العِلْمَ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ، أَوجَبَ لَهُ ذَلِكَ حِرَاسَةَ بَاطِنِهِ عَنْ كُلِّ فِكْرٍ وَهَاجِسٍ يُبْغِضُهُ اللّه، وَحَفِظَ ظَاهِرَهُ عَنْ كُلِّ قَولٍ أَو فِعْلٍ يُسْخِطُ الله، وَتَعَبَّدَ بِمَقَامِ الإِحْسَانِ فَعَبَدَ اللّه كَأنَّهُ يَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاه.

فائدة: الإحسان في الشرع له معنيان على حسب تصريفه اللغوي:

احدهما: إيصال النفع، ومحله المخلوق لا الخالق. ويشمل جميع أنواع البر والعطف.

والثاني: إتقان العمل وإيجادة الشيء، ومحله الخالق والمخلوق معنى، فهو نوعان:

أحدهما: الإحسان مع الخالق: وحده ما ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث، وحقيقته كما سبق: إتقان الظاهر والباطن على المشاهدة والمراقبة.

والآخر: الإحسان إلى المخلوق بأداء حقوقه إليه.

2 -فضائل مراقبة الله:

أولًا: فضل مراقبة الله في السر توجب للعبد الإخلاص والخلاص من الكبائر.

كما ورد في الحديث (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله) متفق عليه.

ثانيًا: النصح في العبادة

كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قِبَل وجهه فإن الله قِبَل وجهه إذا صلى) متفق عليه.

ثالثًا: تورث القلب خشية وخشوعًا وبكاء.

كما في الحديث (ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه) .

رابعًا: ومن قدر على معصية الله في سره ثم راقب الله فتركها خوفًا من الله له ثواب عظيم وينفرج همه وينفس كربه.

كما في قصة صاحب الغار الذي خلا بابنة عمه وتمكن منها ثم قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه فقام وتركها وترك المال الذي أرادته خوفًا من الله تعالى فانفرج الغار لعمله.

خامسًا: من راقب الله في السر حسن عمله وعظم يقينه، ووجد حلاوة الإيمان، واطمأن قلبه، وقذف الله نورًا في قلبه وضياء في وجهه، ووجد سعة في رزقه وبركة في أهله وألفة ومحبة فيما بينه وبين الخلق وانعكس ذلك على حياته بالتوفيق والرضا والسعادة.

سادسًا: عبادة السر من أجل الطاعات، لأنها مبنية على حسن المراقبة لله والإخلاص المحض واليقين التام وعدم التفات القلب للمخلوقين وثوابهم.

ولذلك أثنى الله عز وجل على صدقة السر فقال: (إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِي وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت