فهرس الكتاب
علمتنا).
وقال - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث جبريل: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل.
وقال ابن مسعود: من كان عنده علم فليقل، ومن لم يكن عنده علم فليقل: الله أعلم.
وسئل الشعبي عن شيء فقال: لا أدري، فقيل له: ألا تستحيي من قولك لا أدري وأنت فقيه العراقين؟
فقال: لكن الملائكة لم تستح حين قالت سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا.
وقال البراء: لقد رأيتُ ثلاثمائة من أهل بدر ما منهم أحد إلا وهو يحبُّ أن يكفيَه صاحبُه الفتوى.
وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركتُ عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله يسأل أحدهم عن المسألة فيردها إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول.
وقال ابن وهب: وكنت أسمعه - أي مالكًا - كثيرًا ما يقول: لا أدري، ولو كتبنا عن مالك لا أدري لملأنا الألواح.
وقال ابن عباس: إذا ترك العالم لا أدري أصيبت مقاتله.
وقال الشعبي: لا أدري نصف العلم.
وعن عقبة بن مسلم قال: صحبت ابن عمر أربعةً وثلاثين شهرًا فكان كثيرًا ما يُسأل فيقول: لا أدري، ثم يلتفت فيقول: أتدري ما يريدون هؤلاء؟ يريدون أن يجعلوا ظهورنا جسرًا إلى جهنم.
قال ابن عيينة: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علمًا.
وقال مالك: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون من أهل المدينة.
قال ابن القيم: وقد حرم الله القول عليه بغير علم في الفتيا والقضاء وجعله من أعظم المحرمات بل جعله في المرتبة العليا, قال الله تعالى (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) .
وقيل: ينبغي للعالم أن يورث أصحابه لا أدري لكثرة ما يقولها.
قال ابن جماعة: واعلم أن قول (لا أدري) لا يضع من قدر العالم كما يظنه بعض الجهلة، بل هي رفعة له، لأنه دليل على عظم محله وعلى ورعه وعلى تقواه وعلى طهارة قلبه، إنما يأنف من قول (لا أدري) من ضعفت ديانته وقلت معرفته.
وقد أدب الله العلماء بقصة موسى مع الخضر حيث لم يرد موسى العلم إلى الله تعالى لما سئل: هل أحد في الأرض أعلم منك؟
13 -الحديث دليل على إجابة السائل بأكثر مما سأل.
فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أجاب السائل عن الساعة؟ بجواب جامع ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، لم يكتف بذلك وإنما زاده أن بين له بعض أماراتها، فقال: وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا إِذَا وَلَدَتْ الأَمَةُ رَبَّتهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ الْبُهْمُ فِي الْبُنْيَانِ، فِي خَمْسٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ"، ثُمَّ تَلا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَة) ."
14 -الحديث دليل على أنه لا يدري أحد متى الساعة، وقد استأثر الله بعلمها، فلم يطلع على ذلك ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا.
قال تعالى (يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) .
وقال تعالى (يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا. فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا. إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا) .
قال ابن كثير: أي ليس علمها إليك، ولا إلى أحد من الخلق، بل مردها ومرجعها إلى الله، فهو الذي يعلم وقتها على التعيين.
لكن هي قريبة: قال تعالى (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ) .
وقال تعالى (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) .
15 -أن للساعة علامات تدل على قربها.
وعلامات الساعة تنقسم إلى قسمين: