فهرس الكتاب
وَقالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحا) .
-تعريف التوبة:
قال ابن القيم: حقيقة التوبة: الرجوع إلى الله بالتزام فعل ما يجب، وترك ما يكره.
ذكر المصنف - رحمه الله - شروط التوبة وهي:
أحَدُها: أنْ يُقلِعَ عَنِ المَعصِيَةِ.
قال ابن القيم: فتستحيل التوبة مع مباشرة الذنب.
والثَّانِي: أَنْ يَنْدَمَ عَلَى فِعْلِهَا.
قال ابن القيم: فأما الندم، فإنه لا تتحقق التوبة إلا به، إذ من لم يندم على القبيح فذلك دليل على رضاه به، وإصراره عليه، وفي المسند (الندم توبة) .
والثَّالثُ: أنْ يَعْزِمَ أَنْ لا يعُودَ إِلَيْهَا أَبَدًا. فَإِنْ فُقِدَ أَحَدُ الثَّلاثَةِ لَمْ تَصِحَّ تَوبَتُهُ.
يعزم عزمًا مؤكدًا أن لا يعود إليها مرة أخرى في المستقبل.
-قال المصنف - رحمه الله -: وإنْ كَانْت غِيبَةً استَحَلَّهُ مِنْهَا.
المعروف في مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك: اشتراط الإعلام والتحلل.
واحتجوا بأن الذنب حق آدمي، فلا يسقط إلا بإحلاله منه وإبرائه.
والقول الآخر: إنه لا يشترط الإعلام بما نال من عِرضه وقذفه واغتيابه، بل يكفي توبته بينه وبين الله، وأن يذكر المغتاب والمقذوف في مواضع غيبته وقذفه بضد ما ذكره به من الغيبة، فيبدِّل غيبته بمدحه والثناء عليه.
وهذا اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية.
واحتج أصحاب هذه المقالة بأن إعلامه مفسدة محضة، لا تتضمن مصلحة، فإنه لا يزيده إلا أذى وخنقًا وغمًا، وقد كان مستريحًا قبل سماعه.
قالوا: وربما كان إعلامه به سببًا للعداوة والحرب بينه وبين القائل.
والفرق بين ذلك وبين الحقوق المالية وجنايات الأبدان من وجهين:
أحدهما: أنه قد ينتفع بها إذا رجعت إليه، فلا يجوز إخفاؤها عنه، فإنه محض حقه، فيجب عليه أداؤه إليه، بخلاف الغيبة والقذف، فإنه ليس هناك شيء ينفعه يؤديه إليه.
الثاني: أنه إذا أعلمه بها لم تؤذه، ولم تهج منه غضبًا ولا عداوة، بل ربما سرّه ذلك وفرح به.
ثم ذكر المصنف - رحمه الله - بعض الآيات الدالة على التوبة والأمر بها:
قَالَ الله تَعَالَى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) .
أي: ارجعوا إلى الله تعالى بفعل ما يجب وترك ما يكره لأجل أن تفلحوا بالفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب.
قال ابن القيم: فكل تائب مفلح، ولا يكون مفلحًا إلا من فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه.
• وفي الآية وجوب التوبة إلى الله من جميع الذنوب.
وَقالَ تَعَالَى: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) .
وَقالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحا) .
يأمر تعالى عباده المؤمنين بأن يتوبوا إليه توبة نصوحًا.
قال ابن القيم: النصح في التوبة يتضمن ثلاثة أشياء:
الأول: تعميم جميع الذنوب واستغراقها بها بحيث لا تدع ذنبًا إلا تناولته.
والثاني: إجماع العزم والصدق بكليته عليها، بحيث لا يبقى عنده تردد، ولا تلوم ولا انتظار.
والثالث: تخليصها من الشوائب والعِلَل القادحة في إخلاصها، ووقوعها لمحض الخوف من الله وخشيته، والرغبة فيما لديه.
13 -وعن أبي هريرةَ - رضي الله عنه -، قَالَ: سمعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، يقول: (والله إنِّي لأَسْتَغْفِرُ الله وأَتُوبُ إِلَيْه في اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً) رواه البخاري.