فهرس الكتاب
14 -وعن الأَغَرِّ بنِ يسار المزنِيِّ - رضي الله عنه -، قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تُوبُوا إِلى اللهِ واسْتَغْفِرُوهُ، فإنِّي أتُوبُ في اليَومِ مئةَ مَرَّةٍ) رواه مسلم.
(لأَسْتَغْفِرُ الله وأَتُوبُ إِلَيْه) ظاهره أنه يطلب المغفرة ويعزم على التوبة، ويحتمل أن يكون المراد يقول هذا اللفظ بعينه، ويرجح الثاني ما أخرجه النسائي بسند جيد من طريق مجاهد عن ابن عمر أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول (أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه في المجلس قبل أن يقوم مائة مرة) ، وله من رواية محمد بن سوقة عن نافع عن ابن عمر بلفظ (إنا كنا لنعد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المجلس: رب اغفر لي وتب علي، إنك أنت التواب الغفور، مائة مرة) .
(وأَتُوبُ إِلَيْه) التوبة الرجوع من المعصية إلى الطاعة.
1 -قوله (والله إنِّي لأَسْتَغْفِرُ الله وأَتُوبُ إِلَيْه) الاستغفار: هو ستر الذنب عن الخلق، والتجاوز عن عقوبته، كما في حديث ابن عمر في المناجاة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال (يدني المؤمن يوم القيامة من ربه -عز وجل - حتى يضع كنفه - أي ستره ورحمته - فيقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أي ربي، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال الله: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) رواه البخاري ومسلم، ومنه سمي المغفر، وهو البيضة التي توضع على الرأس تستره وتقيه السهام.
قال ابن القيم: الاستغفار نوعان:
مفرد ومقرون بالتوبة.
فالمفرد: كقول نوح عليه السلام لقومه: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا. يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا) . وكقول صالح لقومه (لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) .
والمقرون كقوله تعالى (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) . وقول هود لقومه (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا) . .
فالاستغفار المفرد كالتوبة بل هو التوبة بعينها مع تضمنه طلب المغفرة من الله وهو محو الذنب وإزالة أثره ووقاية شره، فالاستغفار يتضمن التوبة والتوبة تتضمن الاستغفار، وكل منهما يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق.
وأما عند اقتران إحدى اللفظتين بالأخرى فالاستغفار: طلب وقاية شر ما مضى، والتوبة: الرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله، فها هنا ذنبان: ذنب قد مضى فالاستغفار منه، طلب وقاية شره وذنب يخاف وقوعه، فالتوبة: العزم على أن لا يفعله، والرجوع إلى الله يتناول النوعين: رجوع إليه ليقيه شر ما مضى ورجوع إليه ليقيه شر ما يستقبل من شر نفسه وسيئات أعماله.
فهاهنا أمران لا بد منهما: مفارقة شيء والرجوع إلى غيره فخصت التوبة بالرجوع، والاستغفار بالمفارقة وعند إفراد أحدهما يتناول الأمرين ولهذا جاء والله أعلم الأمر بهما مرتبًا بقوله (استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) فإنه الرجوع إلى طريق الحق بعد مفارقة الباطل، وأيضًا فالاستغفار من باب إزالة الضرر، والتوبة طلب جلب المنفعة، فالمغفرة أن يقيه شر الذنب، والتوبة أن يحصل له بعد هذه الوقاية ما يحبه وكل منهما يستلزم الآخر عند إفراده والله أعلم.
2 -الحديث دليل على وجوب التوبة والاستغفار من جميع الذنوب.
كما قال تعالى (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ) .
وقال تعالى (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .
وقال تعالى (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) .
2 -الحديث دليل شدة عبودية النبي - صلى الله عليه وسلم - لربه واستغفاره له كما أمره الله في آيات كثيرة:
لقوله (فاستغفروني أغفر لكم) .
وقال تعالى (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) .
وقال تعالى (وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) .
وقال سبحانه (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) .