فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 210

جَهْوَرِيٍّ: يَا مُحَمَّدُ، فأجابهُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - نَحْوًا مِنْ صَوْتِه: (( هَاؤُمْ ) )فقُلْتُ لَهُ: وَيْحَكَ! اغْضُضْ مِنْ صَوتِكَ فَإِنَّكَ عِنْدَ النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، وَقَدْ نُهِيتَ عَنْ هذَا! فقالَ: والله لاَ أغْضُضُ. قَالَ الأعرَابيُّ: المَرْءُ يُحبُّ القَوْمَ وَلَمَّا يلْحَقْ بِهِمْ؟ قَالَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم: (( المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ يَومَ القِيَامَةِ ) ). فَمَا زَالَ يُحَدِّثُنَا حَتَّى ذَكَرَ بَابًا مِنَ المَغْرِبِ مَسيرَةُ عَرْضِهِ أَوْ يَسِيرُ الرَّاكبُ في عَرْضِهِ أرْبَعينَ أَوْ سَبعينَ عامًا - قَالَ سُفْيانُ أَحدُ الرُّواةِ: قِبَلَ الشَّامِ - خَلَقَهُ الله تَعَالَى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاواتِ والأَرْضَ مَفْتوحًا للتَّوْبَةِ لا يُغْلَقُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْهُ. رواه الترمذي وغيره، وَقالَ: (( حديث حسن صحيح ) ).

(عن زِرِّ بن حُبَيْشٍ) الأسدي الكوفي، أبو مريم، ثقة جليل مخضرم.

قَالَ (أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ) المرادي، صحابي مشهور، سكن الكوفة، غزا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - اثنتي عشرة غزوة.

(أسْألُهُ) وفي رواية النسائي (فقعدتُ على بابه) .

(إلاَّ مِنْ جَنَابَةٍ) يعني أنه أمرهم أن ينزعوا الخف من أجل الجنابة.

(لكنْ مِنْ غَائطٍ وَبَولٍ ونَوْمٍ) أي: لا ننزعه من أجل غائط وبول ونوم.

1 -الحديث دليل على فضل الرحلة في طلب العلم، وأن السلف كانوا يرحلون لطلب العلم.

والرحلة في طلب الحديث سنة ثابتة عن أهل الحديث.

قال - صلى الله عليه وسلم - (من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له طريقًا إلى الجنَّة) رواه مسلم.

قال ابن الجوزي: تأملت عجبًا، وهو أن كل شيء نفيس خطير يطول طريقه، ويكثر التعب في تحصيله، فإنَّ العلم لما كان أشرف الأشياء لم يحصل إلا بالتعب والسهر والتكرار، وهجر اللذات والراحة.

وقال ابن القيم: وأما سعادة العلم فلا يورثك إياها إلا بذل الوسع، وصدق الطلب، وصحة النية.

وقال يحيى بن كثير: لا ينال العلم براحة الجسم.

وقد قيل: من طلب الراحة ترك الراحة.

وقال الشافعي: حق على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار منه، والصبر على كل عارض دون طلبه، وإخلاص النية لله تعالى في إدراكه نصًا واستنباطًا، والرغبة إلى الله تعالى في العون عليه.

ولذلك - أخي في الله - من تمثل سير سلفنا الصالح، ونظر في معاناتهم في طلب العلم هانت عليه كل شدة، واحتقر نفسه أمامهم، فقد كابدوا من الصعاب ما يفوق التخيل، وتركوا البلاد والأولاد وهجروا اللذات والشهوات، وجابوا مشارق الأرض ومغاربها سعيًا وراء حديث واحد، أو لقاء شيخ أو معرفة مسألة، فانظر إلى هؤلاء الأفذاذ كيف طلبوا العلم عساك تنتفع بذلك.

قيل للإمام أحمد: رجلٌ يطلب العلم يلزم رجلًا عنده علم كثير أو يرحل؟ قال: يرحلُ، يكتب عن علماء الأمصار، فيشامُّ النَّاس، ويتعلم منهم.

وقيل له مرةً: أيرحلُ الرجل في طلب العلم؟ فقال: بلى والله، لقد كان علقمة بن قيس النخعي، والأسود بن يزيد النخعي - وهما من أهل الكوفة بالعراق - يبلغهما الحديث عن عمر فلا يقنعهما حتى يخرجا إليه - إلى المدينة المنورة - فيسمعانه منه.

وهذا جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - رحل مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد، وقد تقدم الحديث.

وهذا عقبة بن الحارث سافر من مكة إلى المدينة ليلقى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسأله عن مسألة رضاع وقعت له، وسيأتي الحديث قريبًا إن شاء الله.

قال أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي (ت 277 هـ) يقول: أحصيت ما مشيت على قدميَّ زيادة على ألف فرسخ، لم أزل أحصي حتى لما زاد على ألف فرسخ تركته.

وقال إبراهيم بن أدهم قال: إنّ الله تعالى يرفع البلاء عن هذه الأمة برحلة أصحاب الحديث.

وعن عن زكريا بن عدي قال: رأيت ابن المبارك في النوم فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي برحلتي في الحديث.

وعن أبي العالية قال: كنت أرحل إلى الرجل مسيرة أيام لأسمع منه فأوّل ما أفتقد منه صلاته، فإن أجده

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت