فهرس الكتاب
يُقيمها أقمت وسمعت منه، وإن وجدته يُضيِّعها رجعت ولم أسمع منه، و قلت: هو لغير الصلاة أضيع.
وقيل للشعبي: من أين لك هذا العلم كله؟ قال: بنفي الاعتماد، والسّير في البلاد، وصبر كصبر الجماد، وبكور كبكور الغراب.
وعنه قال: لو أن رجلًا سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن فحفظ كلمة تنفعه فيما يستقبله من عمره رأيت أنّ سفره لا يضيع.
وقال بعض أهل العلم: إنّ فيما عاناه موسى من الدّأب والسفر والصبر عليه من التواضع والخضوع للخضر، بعد معاناة قصده، مع محلّ موسى من الله وموضعه من كرامته وشرف نبوته، دلالة على ارتفاع قدر العلم وعلو منزلة أهله وحسن تواضعه لمن يلتمس منه ويؤخذ عنه، ولو ارتفع عن التواضع لمخلوق أحد بارتفاع درجة سمو منزلة لسبق إلى ذلك موسى، فلما أظهر الجدّ والاجتهاد والانزعاج عن الوطن، والحرص على الاستفادة مع الاعتراف بالحاجة إلى أن يصل من العلم إلى ما هو غائب عنه، دلّ على أنه ليس في الخلق من يعلو على هذه الحال ولا يكبر عنها.
وعن عمرو بن أبي سلمة يقول: قلت للأوزاعي: أنا ألزمك منذ أربعة أيام ولم أسمع منك إلا ثلاثين حديثًا؟ قال: وتستقل ثلاثين حديثًا في أربعة أيام؟ لقد سار جابر بن عبد الله إلى مصر واشترى راحلة وركبها حتى سأل عقبة بن عامر عن حديث واحد وانصرف وأنت تستقل ثلاثين حديثًا في أربعة أيام؟
وقال سعيد بن المسيّب: إن كنت لأسير الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد.
وعن أبي قلابة قال: أقمت في المدينة ثلاثًا ما لي بهن من حاجة إلا قدوم رجل بلغني عنه حديثًا فبلغني أنه يقدم فأقمت حتى قدم فحدثني به.
وهذا الحافظ الجوال ابن منده (ت 395 هـ) بدأ الرحلة في طلب العلم وهو ابن عشرين سنة، ورجع وهو ابن خمس وستين سنة، ولما عاد إلى وطنه تزوج - وهو ابن 65 سنة!! -، ورزق الأولاد، وحدَّث بالكثير.
وقد قال - رحمه الله: طفت الشرق والغرب مرتين. [مقدمة الجرح والتعديل (3/ 1032) ] .
قال الذهبي: ولم أعلم أحدًا كان أوسع رحلةً منه، ولا أكثر حديثًا منه، مع الحفظ والثقة، فبلغنا أن عدة شيوخه ألف وسبعمائة شيخ. سير أعلام النبلاء (17/ 30) .
2 -الحديث دليل على فضل العلم وطلبه، حيث تضع الملائكة أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع.
قال ابن قدامة: في معنى وضعها أجنحتها ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه بسط الأجنحة.
الثاني: أنه بمعنى التواضع لطالب العلم.
الثالث: أن المراد به النزول عند مجالس العلم وترك الطيران.
وقال ابن رجب: واختلف الناس في تأويل وضع الملائكة أجنحتها:
فمنهم من حمله على ظاهره، وأن المراد فرش الأجنحة وبسطها لطلاب العلم لتحملهم عليها إلى مقاصدهم من الأرض التي يطلبون فيها العلم، وإعانة لهم على الطلب.
ومنهم من فسر وضع الملائكة أجنحتها بالتواضع لهم، والخضوع لطلاب العلم.
ومنهم من فسر ذلك بأن الملائكة تحف بأجنحتها مجالس الذكر إلى السماء كما جاء ذلك صريحًا في الحديث، ولعل هذا القول أشبه.
قال ابن القيم: فمن محبة الملائكة له وتعظيمه تضع أجنحتها له، لأنه طالبٌ لما به حياة العالَم ونجاته، ففيه شبه من الملائكة، وبينه وبينهم تناسب، فإن الملائكة أنصح خلق الله وأنفعهم لبني آدم ... فإذا طلب العبد العلم فقد سعى في أعظم ما ينصح به عباد الله، فلذلك تحبه الملائكة وتعظمه.
-وللعلم فضائل كثيرة:
أولًا: أنه من أسباب دخول الجنة.
كما قال - صلى الله عليه وسلم - (من سلك طريقًا يلتمس به علمًا سهل الله به طريقًا إلى الجنة) رواه مسلم.
ثانيًا: من أسباب الرفعة.
قال تعالى (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) .