فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 210

وقال تعالى (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ) .

وقال - صلى الله عليه وسلم - (إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي بالمال) رواه الترمذي.

وقال - صلى الله عليه وسلم - (لو كان لابن آدم واديان من ذهب لأحب أن يكون له ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب) متفق عليه.

وقال - صلى الله عليه وسلم - (يهرم ابن آدم ويهرم معه اثنتان: الحرص على العمر، والحرص على المال) متفق عليه.

وقال - صلى الله عليه وسلم - (اثنتان يكرهما ابن آدم: يكره الموت والموت خير له من الفتن، ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب) رواه أحمد.

وقال - صلى الله عليه وسلم - (يَأْتِى عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، لاَ يُبَالِى الْمَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ أَمِنَ الْحَلاَلِ أَمْ مِنَ الْحَرَامِ) رواه البخاري.

وقال - صلى الله عليه وسلم - (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسدَ لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه) .

قال ابن رجب: هذا مثل عظيم ضربه النبي - صلى الله عليه وسلم - لفساد دين المسلم بالحرص على المال والشرف في الدنيا، وأن فساد الدين بذلك ليس بدون فساد الغنم بذئبين جائعين ضاريين باتا في الغنم، قد غاب عنها رعاؤها ليلًا، فهما يأكلان في الغنم ويفترسان فيها.

فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن حرص المرء على المال والشرف إفساد لدينه ليس بأقل من إفساد الذئبين لهذه الغنم.

فهذا المثل العظيم يتضمن غاية التحذير من شر الحرص على المال والشرف في الدنيا.

-الحرص على المال على نوعين:

الأول: شدة محبة المال مع شدة طلبه من جوهه المباحة المبالغة في طلبه والجد في تحصيله.

ولو لم يكن في الحرص على المال إلا تضييع العمر الشريف الذي لا قيمة له، وقد كان يمكن صاحبه فيه اكتساب الدرجات العلى والنعيم المقيم، فضيّعه بالحرص في طلب رزق مضمون مقسوم.

فالحريص يضيع زمانه الشريف يخاطر بنفسه التي لا قيمة لها في الأسفار وركوب الأخطار لجمع مال ينتفع به غيره.

قيل لبعض الحكماء: إن فلانًا جمع مالًا، فقال: فهل جمع أيامًا ينفقه فيها؟ قيل: لا. قال: ما جمع شيئًا.

كان عبد الأحد بن زيد يحلف بالله، لحرص المرء على الدنيا أخوف عليه عندي من أعدى أعدائه.

وفي بعض الآثار الإسرائيلية: الرزق مقسوم، والحريص محروم، ابنَ آدم، إذا أفنيتَ عمرَك في طلب الدنيا، فمتى تطلب الآخرة.

إذا كنت في الدنيا عن الخيرِ عاجزًا ... فما أنت في يومِ القيامة صانعُ.

قال بعض السلف: إذا كان القدر حقًا فالحرصُ باطلٌ، وإذا كان الغدر في الناس طباعًا فالثقة بكل أحدٍ عجزٌ، وإذا كان الموت لكلِ أحد راصدًا فالطمأنينة إلى الدنيا حمق.

كتب بعض الحكماء إلى أخٍ له كان حريصًا على الدنيا: أما بعد، فإنك أصبحت حريصًا على الدنيا، تخدمها وهي تزجرُك عن نفسها بالأعراض والأمراض والآفات والعلل، كأنك لم تر حريصًا محرومًا، ولا زاهدًا مرزوقًا، ولا ميتًا عن كثير، ولا مبلغًا من الدنيا باليسير.

قال بعض الحكماء: أطول الناس همًا الحسود، وأهنؤهم عيشًا القنوع، وأصبرهم على الأذى الحريص، وأخفضهم عيشًا أرفضهم للدنيا، وأعظمهم ندامة العالم المفرط.

الثاني: أن يزيد على ما سبق ذكره في النوع الأول حتى يطلب المال من الوجوه المحرمة.

قال تعالى (ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) .

وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (اتقوا الشح، فإن الشح أهك من كان قبلكم، أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالفجور ففجروا) .

وفي صحيح مسلم عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (اتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم) .

قال طائفة من العلماء: الشح هو الحرص الشديد الذي يحمل صاحبه على أن يأخذ الأشياء من غير حلها ويمنع حقوقها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت