وقال: واعلم أن أكثر الناس إنما هلكوا لخوف مذمة الناس، وحب مدحهم، فصارت حركاتهم كلها على ما يوافق رضى الناس، رجاء المدح، وخوفًا من الذم، وذلك من المهلكات.
وقال: ولم يزل المخلصون خائفين من الرياء الخفي، يجتهدون في مخادعة الناس عن أعمالهم الصالحة، ويحرصون على إخفائها أعظم ما يحرص الناس على إخفاء فواحشهم، كل ذلك رجاء أن يخلص عملهم ليجازيهم الله تعالى في القيامة بإخلاصهم.
وقال: ومن الدواء النافع (في علاج الرياء) أن يعود نفسه إخفاء العبادات، وإغلاق الأبواب دونها، كما نغلق الأبواب دون الفواحش، فإنه لا دواء في الرياء مثل إخفاء الأعمال.
وقال ابن الجوزي: ما أقل من يعمل لله تعالى خالصًا، لأن أكثر الناس يحبون ظهور عباداتهم، وسفيان الثوري كان يقول: لا أعتد بما ظهر من عملي، وكانوا يسترون أنفسهم.
وقال: فاعلم أن ترك النظر إلى الخلق، ومحو الجاه من قلوبهم بالعمل، وإخلاص القصد، وستر الحال، هو الذي رفع من رفع.
وقال: إنما يتعثر من لم يخلص، وإنما يمتنع الإخلاص ممن لا يُراد.
وقال رحمه الله: وعلامة المخلص: أن يكون في جلوته كخلوته، وربما تكلف بين الناس التبسم والانبساط، لينمحي عنه اسم الزاهد.
وقال الذهبي: ينبغي للعالم أن لا يفتر عن محاسبة نفسه، فإنها تحب الظهور والثناء.
4 -علامة كون العلم لله:
قال مالك بن دينار: إن العبد إذا طلب العلم للعمل كسره علمُهُ، وإذا طلبه لغير ذلك ازداد به فجورًا أو فخرًا.
قال الذهبي: فَمَن طلبَ العلمَ للآخرة كَسَرَه العلمُ وخشع لله.
قال بعض السلف: من ازداد علما ولم يزدد خشية فليتهم علمه.
سُئِلَ الحافظ عبد الغني المقدسي:
لِمَ لا تقرأ من غير كتاب؟ قال: أخاف العجب. ... [السير 21/ 449] .
وقد قيل لذي النون المصري - رحمه الله تعالى: متى يعلم العبد أنه من المخلصين؟ فقال: إذا بذل المجهود في الطاعة، وأحب سقوط المنزلة عند الناس.
وقيل ليحيى بن معاذ ـ رحمه الله تعالى ـ: متى يكون العبد مخلصًا؟ فقال: إذا صار خلقه كخلق الرضيع، لا يبالي من مدحه أو ذمه.
قال النووي: من علامة المخلص أن يتكدر إذا اطلع الناس على محاسن عمله كما يتكدر إذا اطلعوا على مساويه، فإن فرح النفس بذلك معصية وربما كان الرياء أشد من كثير من المعاصي.
قال ابن جماعة: حسن النية في طلب العلم بأن يقصد به وجه الله تعالى والعمل به، وتنوير قلبه، وتحلية باطنه، والقرب من الله تعالى يوم القيامة، والتعرض لما أعد لأهله من رضوانه، وعظيم فضله.
وقال ابن القيم: لا يكون المتعلم ناجيًا إلا بهذه الأمور الثلاثة: المخلص في تعلمه، المتعلم ما ينفعه، العامل بما علِمَه.
5 -قوله (فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ) .
معناها (فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ) نية وقصدًا (فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ) ثوابًا وحكمًا.
وهذا مثل ضربه الرسول - صلى الله عليه وسلم - للعمل الذي يراد به وجه الله والذي يراد به غير الله، وذلك بالهجرة:
فبعض الناس يهاجر ويدع بلده لله تعالى، وابتغاء مرضاته، فهذا هجرته لله ويؤجر عليها كاملًا، ويكون أدرك ما نوى، وبعض الناس يهاجر لأغراض دنيوية، كمن هاجر من بلد الكفر إلى بلد الإسلام من أجل المال، أو من أجل امرأة يتزوجها، فهذا هاجر لكنه لم يهاجر لله، ولهذا قال الرسول: فهجرته إلى ما هاجر إليه.
-وقوله - صلى الله عليه وسلم - (ومن كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ) أي: هو أظهر للناس أنه مهاجر لله لكن في نيته أنه هاجر من أجل امرأة يتزوجها أو من أجل دنيا يصيبها.