قال ابن الملقن: إن قلت لم ذم على طلب الدنيا وهو أمر مباح لا ذم فيه ولا مدح؟
قلت: إنما ذم لكونه لم يخرج في الظاهر لطلب الدنيا، وإنما خرج في صورة طالب فضيلة الهجرة فأبطن خلاف ما أظهر.
6 -الحديث دليل على فضل الهجرة لله، حيث ضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - بها مثلًا في هذا الأصل الأصيل من قواعد الدين.
والهجرة لغة: الترك , وشرعًا: ترك ما لا يحبه الله ويرضاه إلى ما يحبه الله ويرضاه.
-والهجرة فضلها عظيم:
قال تعالى (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً) .
ففي هذه الآية وعد الله تعالى أن من هاجر في سبيله سيجد أمرين:
أولهما: مراغمًا كثيرًا.
وثانيهما: سعة.
والمراد بالأمر الأول كما يقول الرازي: (مراغمًا) ومن يهاجر في سبيل الله إلى بلد آخر يجد في أرض ذلك البلد من الخير والنعمة ما يكون سببًا لرغم أنف أعدائه الذين كانوا معه في بلدته الأصلية.
والمراد بالأمر الثاني (سعة) السعة في الرزق.
-وهي 3 أنواع:
الأول: هجرة ترك المعاصي، كما قال - صلى الله عليه وسلم - (والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه) رواه البخاري.
والثاني: مفارقة الدار والتحول عنها، وهذا له صور أعظمها مفارقة بلد الشرك إلى بلد الإسلام.
والثالث: وهي أعظمها؛ هجرة القلوب: وهي الهجرة العظيمة، وهي إلى الله بالإخلاص وإلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالمتابعة.
7 -الحديث دليل على أن الأعمال قد تتفق صورة وتختلف قصدًا وثوابًا وأجرًا.
8 -الحديث دليل على التحذير من الدنيا وفتنتها.
قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) .
وقال - صلى الله عليه وسلم: (إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا) . متفق عليه
قال ابن الحنفية: من كرمت عليه نفسه هانت عليه الدنيا.
قيل لعلي: صف لنا الدنيا؟ فقال: ما أصف من دار؟ أولها عناء، وآخرها فناء، حلالها حساب، وحرامها عقاب، من استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حَزن.
قال ابن القيم: الدنيا كامرأة بغي لا تثبت مع زوج، إنما تخطب الأزواج ليستحسنوا إليها، فلا ترضى إلا بالدياثة.
وقال: الدنيا لا تساوي نقل أقدامك إليها، فكيف تعدو خلفها.
وقال: على قدر رغبة العبد في الدنيا ورضاه بها يكون تثاقله عن طاعة الله وطلب الآخرة.
وقال بعض الزهاد: دع الدنيا لأهلها كما تركوا هم الآخرة لأهلها.
وقال الحسن البصري: من نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في دنياك فألقها في نحره.
قال الشاعر في وصف الدنيا:
أحلامُ نومٍ أو كظلٍ زائلٍ ... إن اللبيبَ بمثلها لا يخدع
وقال آخر:
الدنيا ساعهْ ... فاجعلها طاعهْ
والنفس طماعهْ ... عوّدها القناعهْ
9 -التحذير من فتنة النساء لقوله (أو امرأة .. ) وخصها بالذكر لشدة الافتتان بها.
قال - صلى الله عليه وسلم - (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) متفق عليه.
وقال - صلى الله عليه وسلم - ( .. فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) . رواه مسلم
ومما يدل على خطورة هذه الفتنة أن الله بدأ بها في قوله تعالى (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)