فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 210

9 -استدل بحديث الباب من قال أن ترك التداوي أفضل، وقد اختلف العلماء في ذلك على أقوال:

القول الأول: تركه أفضل.

وهو المنصوص عليه في مذهب الحنابلة، ونقل عن الإمام أحمد أنه قال (أحب لمن اعتقد التوكل وسلك هذا الطريق ترك التداوي من شرب الدواء وغيره) ، وقد كانت تكون به علل فلا يخبر الطبيب بها إذا سأله.

أ-عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في السبعين الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ... هُمُ الَّذِينَ لاَ يَسْتَرْقُونَ، وَلاَ يَتَطَيَّرُونَ، وَلاَ يَكْتَوُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. فَقَالَ: عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: نَعَمْ. فَقَامَ آخَرُ فقال: أَمِنْهُمْ أَنَا قَالَ: سَبَقَكَ عُكَّاشَةُ).

ب-ولحديث الباب (ألاَ أُريكَ امْرَأةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّة؟ فَقُلْتُ: بَلَى، قَالَ: هذِهِ المَرْأةُ السَّوداءُ أتتِ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَتْ: إنّي أُصْرَعُ، وإِنِّي أتَكَشَّفُ، فادْعُ الله تَعَالَى لي. قَالَ:(إنْ شئْتِ صَبَرتِ وَلَكِ الجَنَّةُ، وَإنْ شئْتِ دَعَوتُ الله تَعَالَى أنْ يُعَافِيكِ) فَقَالَتْ: أَصْبِرُ ... ).

ج- كما استدلوا بأن خَلقًا من الصحابة والتابعين لم يكونوا يتداوون، بل فيهم من اختار المرض، كأبي بن كعب، وأبي ذر - رضي الله عنهما -، ومع هذا فلم ينكر عليهم ترك التداوي.

القول الثاني: أنه مشروع.

لما ورد في شأنه في القرآن الكريم والسنة القولية والعملية، ولما فيه من (حفظ النفس) الذي هو أحد المقاصد الكلية من التشريع.

جمهور العلماء (الحنفية والمالكية) إلى أن التداوي مباح. وذهب الشافعية، والقاضي وابن عقيل وابن الجوزي من الحنابلة إلى استحبابه.

قال الشيخ ابن باز: الصواب في التداوي أنه مستحب مشروع ذكره النووي وآخرون عن جمهور العلماء, وأن قول الأكثرين أنه مستحب, وذهب بعض أهل العلم إلى أنه مستوي الطرفين لا يستحب ولا يكره بل هو حلال (الفتاوى) .

أما إذا خشي الإنسان على نفسه التلف بتركه فإنه حينئذٍ يجب، وقد أخذ مجمع الفقه الإسلامي بالقول بوجوب التداوي إذا كان تركه يفضي إلى تلف النفس أو أحد الأعضاء أو العجز، أو كان المرض ينتقل ضرره إلى غيره، كالأمراض المعدية.

وهذا يؤخذ منه أن الدواء إذا تُيقن نفعه وكان المرض مما يخشى منه التلف، وجب التداوي، فيدخل في ذلك إيقاف النزيف، وخياطة الجروح، وبتر العضو التالف المؤدي إلى تلف بقية البدن، ونحو ذلك مما يجزم الأطباء بنفعه وضرورته، وأن تركه يؤدي إلى التلف أو الهلاك.

الأدلة على مشروعية التداوي:

أ- قال الله تعالى عن العسل (فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ) .

فهو دليل على جواز التداوي بشرب الدواء.

ب-عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً فَتَدَاوَوْا وَلاَ تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ) رواه أبو داود.

ج- عن أسامة بن شريك - رضي الله عنه - قال: قالت الأعراب يا رسول الله ألا نتداوى؟ قال: نَعَمْ يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاَّ وَضَعَ لَهُ شِفَاءً أَوْ قَالَ دَوَاءً إِلاَّ دَاءً وَاحِدًا». قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُوَ قَالَ: «الْهَرَمُ) رواه أبو داود.

د- عن أم قيس بنت محصن قالت سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول (عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ، فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ، يُسْتَعَطُ بِهِ مِنَ الْعُذْرَةِ، وَيُلَدُّ بِهِ مِنْ ذَاتِ الْجَنْب) متفق عليه.

هـ- الأدلة على احتجام النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يتداوى بالحجامة.

-وأجابوا عن أدلة أصحاب القول الأول:

أما حديث الصحيحين (يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ هُمْ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) ففيه استحباب ترك الاسترقاء أي طلب الرقية من الغير، وليس فيه تعرض لحكم التداوي بالأدوية النافعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت