الصفحة 130 من 752

أولا: قد عرف بالتواتر الذي لا يخفى على العامة والخاصة أن أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم كان لهم بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم اختصاص عظيم وكانوا من أعظم الناس اختصاصا به، وصُحبة له وقربا إليه، وقد صاهرهم كلهم، وكان يحبهم ويثني عليهم وحينئذ فإما أن يكونوا على الاستقامة ظاهرًا وباطنا في حياته وبعد موته، وإما أن يكونوا خلاف ذلك في حياته أو بعد موته، فإن كانوا على غير الاستقامة مع هذا القرب فأحد الأمرين لازم، إما عدم علمه بأحوالهم، أو مداهنته لهم، وأيهما كان فهو من أعظم القدح في الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما قيل:

فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة

وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

وإن كانوا انحرفوا بعد الاستقامة فهذا خذلان من الله للرسول في خواص أمته، وأكابر أصحابه، ومن وعد أن يظهر دينه على الدين كله، فكيف يكون أكابر خواصه مرتدين؟ فهذا ونحوه من أعظم ما يقدح به الرافضة في الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما قال مالك وغيره. إنما أراد هؤلاء الرافضة الطعن في الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليقول القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلا صالحا لكان أصحابه صالحين (1) .

ثانيا: إن المرتد إنما يرتد لشبهة أو شهوة، ومعلوم أن الشبهات والشهوات في اوائل الاسلام كانت أقوى، حيث كان الإسلام إذ ذاك قليلا، والكفار مستولين على عامة الأرض، وكان المسلمون يؤذون بمكة ويلقون من أقاربهم وغيرهم من المشركين من الأذى ما لا يعلمه إلا الله، وهم صابرون على الأذى متجرعون لمرارة البلوى، وقد اتبعوه صلى الله عليه وآله وسلم وهو وحيد فقير، ذليل خائف، مقهور مغلوب، وأهل الأرض يد واحدة في عداوته، وقد خرجوا من ديارهم وأموالهم وتركوا ما كانوا عليه من الشرف والعزة حبا لله ورسوله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت