الصفحة 45 من 69

""""""صفحة رقم 46""""""

لا يتم إلا بالإعراض عن الجاه والمال ، والهرب من الشواغل والعلائق . ثم لاحظت أحوالي ، فإذا أنا منغمس في العلائق ، وقد أحدقت بي من الجوانب ، ولاحظت أعمالي - وأحسنها التدريس والتعليم - فإذا أنا فيها مقبل على علوم غير مهمة ، ولا نافعة في طريق الآخرة . ثم تفكرت في نيتي في التدريس ، فإذا هي غير خالصة لوجه الله تعالى ، بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت ، فتيقنت أني على شفا جرف هار ، وأني قد أشفيت على النار ، إن لم أشتغل بتلافي الأحوال . فلم أزل أتفكر فيه مدة ، وأنا بعد على مقام الاختيار ، أصمم العزم على الخروج من بغداد ومفارقة تلك الأحوال يومًا ، وأحل العزم يومًا ، وأقدم فيه رجلا وأؤخر عنه أخرى . لا تصدق لي رغبة في طلب الآخرة بكرة ، إلا ويحمل عليها جلد الشهوة حملة فيفترها عشية ، فصارت شهوات الدنيا تجاذبني بسلاسلها إلى المقام ، ومنادي الإيمان ينادي: الرحيل الرحيل فلم يبق من العمر إلا قليل ، وبين يديك السفر الطويل ، وجميع ما أنت فيه من العلم والعمل رياء وتخييل فإن لم تستعد الآن للآخرة ، فمتى تستعد ؟ وإن لم تقطع الآن هذه العلائق فمتى تقطع ؟ فعند ذلك تنبعث الداعية ، وينجزم العزم على الهرب والفرار ثم يعود الشيطان ويقول: هذه حال عارضة ، إياك أن تطاوعها ، فإنها سريعة الزوال ، فإن أذعنت لها وتركت هذا الجاه العريض ، والشأن المنظوم الخالي عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت