الصفحة 47 من 69

""""""صفحة رقم 48""""""

من العلاج وقالوا: هذا أمر نزل بالقلب ، ومنه سرى إلى المزاج ، فلا سبيل إليه بالعلاج ، إلا بأن يتروح السر عن الهم الملم . ثم لما أحسست بعجزي ، وسقط بالكلية اختياري ، التجأت إلى الله تعالى التجاء المضطر الذي لا حيلة له ، فأجابني الذي يجبي المضطر إذا دعاه وسهل على قلبي الإعراض عن الجاه والمال والأهل والولد والأصحاب ، وأظهرت عزم الخروج إلى مكة وأنا أدبر في نفسي سفر الشام حذرًا أن يطلع الخليفة وجملة الأصحاب على عزمي على المقام في الشام ، فتلطفت بلطائف الحيل في الخروج من بغداد على عزم أن لا أعاودها أبدًا . واستهدفت لأئمة أهل العراق كافة ، إذ لم يكن فيهم من يجوز أن يكون للإعراض عما كنت فيه سبب ديني ، إذ ظنوا أن ذلك هو المنصب الأعلى في الدين ، وكان ذلك مبلغهم من العلم ، ثم ارتبك الناس في الاستنباطات ، وظن من بعد عن العراق ، أن ذلك كان لاستشعار من جهة الولاة ، وأما من قرب من الولاة كان يشاهد إلحاحهم في التعلق بي والانكباب علي ، وإعراضي عنهم ، وعن الالتفات إلى قولهم ، فيقولون: هذا أمر سماوي ، وليس له سبب إلا عين أصابت أهل الإسلام وزمرة أهل العلم . ففارقت بغداد ، وفرقت ما كان معي من المال ، ولم أدخر إلا قدر الكفاف ، وقوت الأطفال ، وترخصًا بأن مال العراق مرصد للمصالح ، ولكونه وقفًا على المسلمين . فلم أر في العالم مالًا يأخذه العالم لعياله أصلح منه . ثم دخلت الشام ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت