فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 49""""""
وأقمت به قريبًا من سنتين اشغل الشغل لي إلا العزلة والخلوة ، والرياضة والمجاهدة ، اشتغالًا بتزكية النفس ، وتهذيب الأخلاق ، وتصفية القلب لذكر الله تعالى ، كما كنت حصلته من كتب الصوفية . فكنت أعتكف مدة في مسجد دمشق ، أصعد منارة المسجد طول النهار ، وأغلق بابها على نفسي ، وثم رحلت منها إلى بيت المقدس ، أدخل كل يوم الصخرة ، وأغلق بابها على نفسي . ثم تحركت في داعية فريضة الحج ، والاستمداد من بركات مكة والمدينة وزيارة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعد الفراغ من زيارة الخليل صلوات الله وسلامه عليه ، وفسرت إلى الحجاز ، ثم جذبتني الهمم ، ودعوات الأطفال إلى الوطن ، فعاودته بعد أن كنت أبعد الخلق عن الرجوع إليه ، فآثرت العزلة به أيضًا حرصًا على الخلوة ، وتصفية القلب للذكر . وكانت حوادث الزمان ، ومهمات العيال ، وضرورات المعيشة ، تغير في وجه المراد ، وتشوش صفوة الخلوة ، وكان لا يصفو لي الحال إلا في أقوات متفرقة . لكني مع ذلك لا أقطع طمعي منها ، فتدفعني عنها العوائق ، وأعود إليها . ودمت على ذلك مقدار عشر سنين ، وانكشفت لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها ، والقدر الذي أذكره لينتفع به . إني علمت يقينًا أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة وأن سيرتهم أحسن السير ، وطريقهم أصوب الطرق ، وأخلاقهم أزكى الأخلاق ، بل لو جمع عقل العقلاء ، وحكمة الحكماء ، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ، ليغيروا شيئًا من سيرهم وأخلاقهم ، ويبدلوه بما هو خير منه ، لم يجدوا إليه سبيلًا . فإن جميع حركاتهم وسكناتهم ، في ظاهرهم وباطنهم ، مقتبسة من نور مشكاة النبوة ،