فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 114""""""
وتؤلّف الحكمة ، وتدرّ الخواطرَ ، ويتسع مَجَالُ القلب ، والليل أَضْوَأ في مذاهب الفكر ، وأَخْفى لعمل البر ، وأعون على صَدَقة السّرّ ، وأصحّ لتلاوة الذكر ، ومُدبِّرُو الأمور يختارون الليلَ على النهار ، فيما لم تصف فيه الأناة لرياضة التدبيرِ وسياسة التقدير ، في دَفْع الملّم ، وإمضاء المهمّ ، وإنشاء الكتب ، وتصحيح المعاني ، وتقويم المباني ، وإظهار الْحُجَج ، وإيضاح المَنْهَج ، وإصابة نَظْمِ الكلام ، وتقريبه من الأفهام .
وقال بعض رؤساء الكتاب: ليس الكِتَابُ في كل وقتٍ على غير نسخة لم تُحَرَر بصواب ؛ لأنه ليس أحدٌ أولى بالأناة وبالرويّة من كاتب يَعْرِض عقله ، وينشرُ بلاغته ؛ فينبغي له أن يعمل النسخ ويرويها ، ويقبل عَفْوَ القريحة ولا يستكرهها ، ويعمل على أن جميعَ الناس أعداء له ، عارفون بكتابه ، منتقدون عليه ، متفرغون إليه .
وقال آخر: إنّ لابتداء الكلام فتنةً تروق ، وجِدّةً تعجب ، فإذا سكنت القريحة ، وعدل التأمل ، وصَفَت النَفس ، فليعد النظر ، وليكن فَرًحُه بإحسانه ، مساويًا لغمَه بإساءته ؛ فقد قالت الخوارج لعبد الله بن وهب الراسي: نبايعك الساعة فقد رأينا ذلك ، فقال: دَعُوا الرأي حتى يبلغ أناته ، فإنه لا خيرَ في الرأي الفَطير ، والكلام القضيب .
وقال معاوية بن أبي سفيان ، رحمه الله ، لعبد الله بن جعفر: ما عندك في كذا وكذا . فقال: أريد أن أًصْقُلَ عقلي بنَوْمَة القائلة ، ثم أروح فأقول بعدُ ما عندي .
قال الشاعر: البسيط:
إن الحديث تَغُر القومَ جَلْوَتُهُ . . . حتى يغيّرَه بالوَزْنِ مضمارُ
فعند ذلك تستكفي بلاغتهُ . . . أو يستمرّ به عِيّ وإكْثَارُ
وقالوا: كل مُجْرٍ بالْخَلاء يُسَرُ ، وقال أبو الطيب المتنبي: الخفيف:
وإذا ما خَلاَ الْجَبانُ بأَرْضٍ . . . طَلَبَ الطعْنَ وَحْدَه والنّزالاَ