فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 119""""""
وقال أبو العباس المبرد: قال الحسن بن سهل لسالم الحراري: ما المنزلة التي إذا نزل بها الكاتب كان كاتبًا في قوله وفعله واستحقاقه ؟ قال: أن يكون مطبوعًا على المعرفة ، مُحْتَنكًا بالتجربة ، عارفًا بحلال الكتاب وحرامه ، وبالدهور في تصرّفها وأحكامها ، وبالملوك في سِيَرِها وأيامها ، وأجناس الخط ، وبادية الأقلام ، مع تشاكل اللفظ وقرب المأخذ . قال الحسن: فليس في الدنيا إذًا كاتب .
وقيل لليوناني: ما البلاغة ؟ قال: تصحيح الأقسام ، واختيار الكلام .
وقيل للرومي: ما البلاغة ؟ قال: حسنُ الاقتضاب عند البَدَاهة ، والغزارة يومَ الإطالة .
وقيل للهندي: ما البلاغة ؟ قال: وضوح الدلالة ، وانتهاز الفرصة ، وحُسْن الإشارة .
وقيل للفارسي: ما البَلاَغة ؟ قال: مَعْرِفة الفَصْل من الوصل .
وقال علي بن عيسى الرُمّاني: البلاغةُ إيصال المعنى إلى القَلْبِ في أحسن صورة من اللفظ .
ومن كلام أهل العصر في صفة البلاغة والبلغاء
قال علي بن عيسى الرماني: أبلغ الكلام ما حَسُنَ إيجازه ، وقلَّ مَجازه ، وكثر إعجازه ، وتناسبَتْ صدوره وأعجازه .
أبلغ الكلام ما يُؤْنِس مُسْمِعَه ، ويُوئس مضيّعه .
البليغ من يجتني من الألفاظ أنوارَها ، ومن المعاني ثمارها .
ليست البلاغةُ أن يُطال عِنانُ القلم أو سِنَانه ، أو يُبْسِط رهان القول ومَيْدَانه ، بل هي أنْ يبلغ أمد المراد بألفاظ أعْيان ، ومعان أَفْراد ، من حيث لا تَزَيُّدٌ على الحاجة ، ولا إخْلاَل يُفْضِي إلى الفاقة .
البلاغة ميدان لا يُقْطَع إلا بسوابق الأذهان ، ولا يُسْلَك إلاَّ ببصائر البيان .
فلان يعبث بالكلام ، ويقوده بأَلين زمام ، حتى كأنَّ الألفاظ تتحاسدُ في التسابق إلى خواطره ، والمعاني تتغايَرُ في الانْثِيَال على أنامِله .
هذا كقول أبي تمام الطائي: البسيط:
تغَايَرَ الشعرُ فيه إذ سَهِرْتُ لَهُ . . . حتى ظننتُ قوافيهِ ستَقْتَتِلُ