فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 120""""""
فلان مشرفي المشرق ، وصَيْرَفيّ المنطق . البيان أصغر صفاته ، والبلاغة عفوُ خطراته . كأنما أوحى بالتوفيق إلى صَدْره ، وحسن الصواب بين طَبْعه وفكره .
فلان يحزّ مَفَاصِل الكلام ، ويسبق فيها إلى دَرك المرام ، كأَنما جمع الكلام حولَه حتى انتقى منه وانتخَب ، وتناول منه ما طَلَب ، وترك بعد ذلك أذْنابًَا لا رؤوسًا ، وأَجْسادًا لا نفوسًا .
فلان يَرْضَى بعَفْو الطَّبْع ، ويقنع بما خفَّ على السمع ، ويُوجِز فلا يخِلُّ ، ويطُنِب فلا يُمِلّ ، لله فلان أخذ بأزمَّة القول يقودُها كيف أراد ، ويَجْذبُها أنَى شاء ؟ فلا تعصيه بين الصَّعب والذُّلُول ، ولا تسلمه عند الحُزونة والسّهول ، كلامه يشتدّ مرَّة حتى تقول الصخْر الأملس ، ويَلين تارةً حتى تقولَ الماء أو أَسْلَس ، يقول فيَصُول ، ويُجِيب فيصيب ، ويَكْتُب فيطبِّقُ المَفْصِل ، أو يُنَسِّقُ الدرَّ المفَصَّلَ ، ويَرِدُ مشارعَ الكلامِ وهي صَافِيَة لم تُطرَق ، وجامَة لم تُرَنَّق ، خاطِرُهُ البَرْقُ أو أسرَع لمعًا ، والسيْفُ أو أحَدُّ قَطْعًا ، والماء أو أَسلَس جَريًا ، والفلك أو أقْوَم هَدْيًا ؛ هو ممن يسهلُ الكلام على لفظه ، وتتزاحَمُ المعاني على طَبْعِه ، فيتناول المَرْمَى البعيدَ بقريب سَعْيِه ، ويستَنْبِطُ المَشْرَع العميق بيسيرِ جَرْيِه ، لسانُه يَفلِق الصّخُور ، ويغيض البحور ، ويُسْمِع الصم ، ويستنزل العُصْمَ ، خَطيب لا تنالُه حُبْسة ، ولا ترتهنه لُكْنَة ، ولا تتمشّى في خطابه رنة ، ولا تتحيَّف بيانه عُجْمَة ، ولا تعترض لسانه عُقْدة . فلان رقيق الأَسَلَة ، عذب العذَبَة لو وُضِع لسانُه على الشَّعْر حَلَقه ، أَوْ على الصَّخْر فَلَقه ، أو على الجمر أحرقه ، أو على الصَفَا خرقه ، قد أحسن السّفارة ، واستوفى العبارة ، وأدى الألفاظ ، واستغرق الأغراض ، وأصاب شواكِلَ المراد ، وطبَّق مفَاصِلَ الشَداد ، وبسط لسانَ الخطابِ ، ومدَّ أطناب الإطناب ، وطلب الأمَدَ في الإسهاب ، قالَ