فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 131""""""
ثم استعرت فيه بيانَ أبي إسحاق الصابي حيث يقول للصاحب وَرثَهُ الله أعمارها ، كما بلغه في البلاغة أنوارها: السريع:
الله حسبي فيك من كلِّ ما . . . تعوَد العبدُ على المولى
فلا تَزَل ترْفُلُ في نعمةٍ . . . أَنْتَ بها من غَيْرِك الأَوْلَى
وقال في فصل منه: وما أنس لا أنسَ أيامي عنده بفيروزاباد ، إحدى قُرَاه برستاق جُوين ، سقاها اللّه ما يحكي أخلاقَ صاحبها من سَيْل القَطْرِ ، فإنها كانت - بطَلْعَتِه البَدْرِية ، وعِشْرَته العِطْرِية ، وآدابه العلوية ، وألفاظِه اللؤلؤية ، مع جلائل نِعَمِهِ المذكورة ، ودقائق كرمه المشكورة ، وفوائد مجالسه المعمورة ، ومحاسِن أقواله وأفعاله التي يَعْيا بها الواصفون - أنموذجات من الجنّة ، التي وُعِد المتقون ، وإذا تذكرتها في المَرابع التي هي مَرَاتِع النوَاظر ، والمصانع التي هي مطالع العيش الناضر ، والبساتين التي إذا أخذَتْ بدائعَ زخارفها ، ونشرت طرائفَ مطارفها ، طُوِي لها الديباج الْخُسْرُوَاني ، ونُفي معها الوَشْي الصّنعاني ، فلم تُشَبه إلاَّ بشِيَمِهِ ، وآَثار قَلمه ، وأزهارِ كلمه ، تذكرت سِحرًا وسيمًا ، وخيرًا عميمًا ، وارتياحًا مُقيمًا ، وروحًا ورَيْحانًا ونعيمًا .
وكثيرًا ما أحْكِي للإخوان أني استغرقتُ أربعة أشهر بحضرته ، وتوفّرت على خِدْمَته ، ولازَمْتُ في أكثر أوقاتي عَالي مَجْلسه ، وتعطَّرت عند ركوبه بغُبار مَوْكِبه ؛ فبالله يمينًا كنتُ غنيًا عنها لو خفت حِنْثًا فيها إني ما أنكَرت طَرَفًا من أخلاقه ؛ ولم أشاهد إلاَ مَجْدًا وشرفًا منْ أحواله . وما رأيتُه اغْتَابَ غائبًا ، أو سبَّ حاضِرًا ، أو حَرَم سائلًا ، أو خيَّب آملًا ، أو أطاع سلطانَ الغَضَبِ في الحضَر ، أو تَسلَى بنار الضَّجَر في السَّفَر ، أو بطش بَطْشَ المُتجبِّر ؛ ولا وجدت المآثرَ إلاَّ ما يتعاطاه ، والمآثمَ إلاَّ ما يتخطَاه .
وقال في فصل منه يصفه: وأما فنونُ الأدب فهو ابن بَجْدتها ، وأخو جملتها ، وأبو عُذْرتها ، ومالِك أزِمَتها ، وكأنما يُوحَى إليه في الاستئثار بمحاسنها ، والتفرُد ببدائعها ، ولله هو إذا غرس الدُرَّ في أرض القراطيس ، وطَرّزَ بالظلام رِدَاء النهار ، وألقت بِحَارُ خواطره جواهِرَ البلاغة على أنامله ، فهناك الْحُسْنُ برُمَّته ، والْحُسْن بكلَيته .