فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 132""""""
وذكر عمر بن علي المُطَوَعي في كتاب ألّفه في شعر أبي الفضل ومنثوره والشعراء ، فقال: رأيتُ أهل هذه الصناعة قد تشعّبوا على طُرُق ، وانقسموا على ثلاث فرق ، فمنهم من اكتسى كلامه شرف الاكتساب دون شرف الانْتِساب كالمكتسبين من الشعراء بالمدائح ، المترشحين بها لأخْذِ الجوائز والمنائح ، وهم الأكثرون من أهل هذه الصناعة ؛ ومنهم من شَرُفت بناتُ فكره عند أهل العقول ، وجلبت لديهم فضائل القَبُول ، لِشَرَف قائلها ، لا لِكَثرة عقائلها ، وكرم واشيها ، لا لرِقَة حواشيها ، كالعدد الكثير ، والجمّ الغفير ، من الخلفاء والأمراء والجِلّة والوزراء ؛ ومنهم من أخذ بحبل الْجَوْدة من طَرَفَيْه ، وجمع رداءَ الْحُسْنِ من حاشِيَتَيه ، كامرئ القيس ابن حُجْر الكندي في المتقدّمين ، وهو أميرُ الشعراء غير مُنازع ، وسيّدهم غير مجاذَب ولا مدافع ، وعبد الله بن المعتز بالله أمير المؤمنين في المولدين ، وهو أشعر أبناء الخلافة الهاشمية ، وأبرع أنشاء الدولة العباسية ، ومَنْ جلَّ كلامه في التشبيه ، عن أن يُمثَّل بنظير أو شبيه ، وعَلَت أشعاره في الأوصاف ، عن أن تتعاطاه ألسنةُ الوُصَّاف ؛ والأمير أبي فراس بن حَمْدان فارس البلاغة ، ورجل الفصاحة ، ومن حكمت له شعراءُ العصر قاطبةً بالسيادة ، واعترفت لكلامه بالإحسان والإجادة ، حتى قال أبو القاسم إسماعيل بن عباد الصاحب: بُدِئ الشعرُ بملك وخُتِم بملك ، يعني أمرأ القيس وأبا فراس ؛ وهذه الطائفة أشهر الثلاثة تقدّمًا ، وأثبتها في مواطن الفَخْرِ ومواطئ الشرف قَدَما ، وأسبق الشعراء في مَيْدان البلاغة ، وأرجَحهُم في ميدان البَرَاعة ؛ فإنَّ الكلامَ الصادرَ عن الأعيان والصدور ، أقرُ للعيون وأشفى للصدور ، فشرف القلائد بمن قُلدها ، كما أن شرف العقائل بمن وَلَدَها: الوافر:
وخَيْرُ الشِّعْرِ أكْرَمُه رِجَالًا . . . وشَرُّ الشّعْرِ ما قالَ العَبِيدُ وإذا اتفق مَن اجتمعت فيه هذه الشرائط ، وانتظمت عنده هاتيك المحاسن ، كان خليقًا بأن تُخلَّد في صحائف القلوبِ أشعارُه ، وتُدوَن في ضمائر النفوس آثارُه ، وتكتَب على الأحداق والعيون أخبارُه ، وجديرًا بأن يختصنَ بسرعة المجال في المجالس ، وخِفة المدار في المدارس ، كالأمير الجليل السيد مولانا: الطويل:
أبى الفضل مَنْ نال السماءَ بفضلِهِ . . . ومن وَعَدَتْهُ نفسُهُ بمزيدِ
تودُ عقودُ الدرّ لو كانَ لفظَهُ . . . فينظمها من تَوْأَم وفريدِ