الصفحة 134 من 961

""""""صفحة رقم 145""""""

سمعي من محاسنه من أنساني سماعَ الأغاني من مطربات الغواني . نشأت سَحَابة من لفظك ، غَيْمُها نِعمةٌ سابغَة ، وغيْثها حِكْمَةٌ بالغهٌ ، سقَتْ رَوْضة القلب ، وقد أجهدتها يَدُ الْجَدْبِ ؛ فاهتزت وَرَبَتْ ، واكتست ما اكتسَبَتْ . كتابٌ حسبته ساقطًا إليّ من السماء ، اهتزازًا لمطلعه ، وابتهاجًا بحسْنِ موقعه ، تناولتُه كما يُتناول الكتابُ المرقومُ ، وفضضْتُهُ كما يَفضُ الرَّحيق المختوم . كتاب كالمشتري شَرُفَ به المسير ، وقميص يوسفَ جاء به البشير . كتاب هو من الحسن ، رَوضة حَزن ، بل جَنةُ عَدْنٍ ، وفي شرح النفس وبَسْطِ الأنس برد الأكباد والقلوب ، وقميص يوسف في أجفان يعقوب . قد أهديت إليّ محاسنَ الدنيا مجموعةً في ورقه ، ومباهج الحلى والحلل محصورة في طبقه . كتابّ ألصقْتُه بالقَلْبِ والكبد ، وشممته شمَّ الولد . ورَدَ منك المسْكُ ذكيًا ، والزهرُ جَنِيًًّا ، والماء مريًّا ، والعيش هنيًًّا ، والسحر بابليًًّا . كتاب مَطلعهُ أهِلّة الأعياد ، وموقعه موقع نَيْل المراد . كتاب وجدته قصيرَ العمر ، كليالي الوصال بعد الهجْر ، لم أبدأ به حتى استكمل ، وقارَبَ الآَخِر منه الأوّل . كتاب منتقض الأطراف ، منقطع الأكتاف ، أبتَرُ الجوارح ، مضطرب الجوانح ، كتاب كأنه توقيع متحرَز ، أو تعريض مُتبرز . كاد يلتقي طَرَفاهُ ، ويتقارب مُفْتتحه ومُنتهاهُ . كتاب التقَتْ طرفاه صِغَرًا ، واجتمعت حاشيتاه قِصرًا . ما أظنني ابتدأْتُهُ حتى ختمته ، ولا استفتحته حتى أتممته ، ولا لمحته حتى استوفيته ، ولا نشرته حتى طويته ، وأحسبنْي لو لم أجوّد ضبطه ، ولم أُلْزم يَديَّ حفظَهُ ، لطار حتى يختلط بالجوّ ، فلا أَرَى منه إلاَّ هباءً منثورًا ، وهواءً منشورًا . كتاب حسبته يطيرُ من يدي لخفّته ، ويلطف عن حِسّي لقلّته ، وعجبتُ كيف لم تحمله الرياحُ قبل وصوله إليّ ، وكيف لم يختلط بالهواء عند وصوله لديّ . كتاب قصَّ الاقتصارُ أجنحته ، فلم يَدَع له قوادم وَلا خوَافِي ، وأخذ الاختصار جثِّته ، فلم يبق ألفاظًا ولا معاني . طلعَ كتابُكَ كإيماء بطَرْفٍ ، أو وَحْيٍ بَكَفّ .

وقال أبو العباس عبد اللّه بن المعتز: استعرت من علي بن يحيى المنجم جُزْءًا فيه أخبار مَعْبد بخط حماد بن إسحاق الموصلي ، وكان وعدني به ، فبعث إليّ بستّ ورقات لِطَاف ، فرددتها وكتبت إليه: إن كنت أردتَ بقولك جُزْءًا الجزء الذي لا يتجزّأ فقد أصبت ، وإن كنت أردتَ جُزْءًا فيه فائدة للقارئ ، ومُتْعَةٌ للسامع ، فقد أحَلْت: وقد ردَدْته عليك بعد أن طار اللَّحْظ عَلَيْهِ طيرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت