الصفحة 91 من 961

""""""صفحة رقم 102""""""

إليه ، والتف به ، وانْعَطَفَ عليه ، ورأيتُ أن أبتدئ مقدّمات البلاغات بغُرَر التحاميد وأوْصافها ، وما يتعلَّق بأثنائها وأطرافها .

وقد قال سهل بن هارون في أول كتابٍ عمله: يجب على كلّ مبتدئ مقالةً أن يبتدئَ بحمدِ اللّه قبل استفتاحها ، كما بُدئ بالنعمة قبل استحقاقها .

ولأهل العصر: أولَى ما فَغَر به الناطقُ فمه ، وافتتح به كَلِمه ، حمدُ اللَهِ جل ثناؤُه ، وتقدَّست أسماؤُه . حَمْدُ الله خيرُ ما ابْتُدِئ به القول وختُم ، وافتُتِح به الخطابُ وتُمَمَ . وقال أبو العباس عبد الله بن المعتز بالله: إن اللّه ، جلَّ ثناؤه ، لا يُمثل بنظير ، ولا يُغْلَبُ بظهير ، جل عن موقع تحصيل أدوات البشر ، ولَطُف عن ألحاظ خطرات الفِكَر ، لا يُحْمَدُ إلاَ بتوفيق منه يَقْتَضِي حمدًا ، فمتى تُحْصَى نعماؤه وتكافأ آلاؤه ؟ عَجَز أقْصى الشكرِ عن أدَاء نعمته ، وتضاءل ما خلق في سِعَةِ قُدْرَته ؛ قَدر فَقَدَر ، وحكَم فأحكم ؛ وجعل الدِّين جامعًا لشمْل عباده ، والشرائع مَنَارًا على سبيل طاعته ؛ يَتْبَعُها أهل اليقين به ، ويَحِيدُ عنها أهلُ الشك فيه .

أخذ أبو العباس قولَه: ولا يحمد إلاَ بتوفيق منه يقتضي حمدًا من قول محمود بن الحسن الوراق: الطويل:

إذا كان شُكْري نعمةَ اللَّهِ نِعْمَةً . . . عليَّ له في مِثْلها يَجبُ الشُكْرُ

فكيف بلوغُ الشّكْرِ إلاّ بفضلهِ . . . وإن طالت الأيام واتَصَلَ العمرُ

إذا عمّ بالسَّرَّاء عَمَ سرورها . . . وإن مَسَ بالضّراء أعقَبها الأَجْرُ

فما منهما إلاَ له فيه نِعْمَةٌ . . . تَضِيقُ بها الأوهامُ والبَرُ والْبَحْرُ

وإنما أخذه محمود من قول أبي العتاهية: الخفيف:

أحمد اللَهِ فَهوَ ألهمني الحم . . . دَ على الحمد والمزيدُ لَدَيْه

كم زمانٍ بَكَيْتُ فيه فلمَّا . . . صِرْتُ في غيره بكيتُ عليهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت