الصفحة 121 من 404

تاريخها ـ نظم سياسية أو اجتماعية تساند العقيدة بالبطش والجبروت ، وتدفع إلى الدخول فيها بالإرهاب والإكراه . ولسنا نعرف في تاريخ المذاهب والديانات ملة يترقرق السماح في روحها ، والأدب في عرضها ، والعدل في معاملة خصومها ، كما نعرف ذلك في الإسلام . لكن بعض المستشرقين ، أو كثرتهم ، عندما تواجه هذه الحقيقة ، تحاول أن تتجاوزها دون تنويه بها ، أو تحاول ذكر أسباب مختلقة لها . وقد يجد بعضهم الجراءة من نفسه على المماراة فيها ، وتلمس شبه شتى لتعكير صفوها . ولما كانوا يدخلون مضمار البحث العلمى وفى صدورهم علل دفينة ، ولهم مأرب أخرى فلا عجب إذا اضطربت أحكامهم أشد الاضطراب ، خصوصا فيما يتصل بالرسالة وصاحبها . وماذا تنتظر من رجل يتناول الإسلام ابتداء وهو مقتنع بأن صاحبه دعى ؟ فإذا شدهته السيرة بأحداثها النقية شرع يدور حول نفسه باحثا عن مخرج يرضى به تكذيبه السابق ، لا عن مخرج ينسجم به مع منطق الأحداث . وماذا تنتظر من رجل لا يفهم إلا أن الفتح الإسلامى غارة لطلب المغانم ، وانتهاب الدنيا ، فإذا صدمه ما اتسم به الفتح من ترفع ورحمة نكس على رأسه ليصطاد إشاعة يجسمها ، أو خطأ يدندن حوله . ولا أدرى من ألوم وأنا أخط هذه السطور ؟! مؤرخينا الذين أولعوا بسرد الصغائر ، وتدوين كل تافهة وآبدة ؟ أم المستشرقين الذين ينقبون عن شىء ما ليرووا به حقدهم المرير على هذا الدين؟ خذ مثلا ، جنديا من الظرفاء في جبهة فارس ، يظفر في أعقاب المعركة بأقراص من الخبز الرقيق ، فيقول متفكها: لو لم نقاتلهم على هذا الدين لقاتلناهم على هذه الرقاق . هذه الفكاهة التى رأى مؤرخونا أن يثبتوها ، لأنهم مغرمون بتسطير الأخبار مهما تفهت ، يجىء مستشرق ما فيقول: ألم أحدثكم بأن أسباب الفتح اقتصادية ؟ ولو ظفر ثوار الجزائر بكعكة فرنسية لتحولت الحرب الاستعمارية حسب هذا المنطق إلى عدوان جزائرى ! ص _127

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت