فهرس الكتاب
وهاك قصة أخرى يرويها المؤرخون، ولا بأس أن يقف لديها المستشرقون. جندى عربى يترك أسيرة فارسية من الأميرات نظير ألف درهم !! فيقال له: كنت تستطيع أن تفتديها بأكثر من ذلك ؟ فيقول الأعرابى: ما كنت أحسب هناك عددا آخر يزيد على الألف..! إن هذه القصة التى ينقلها ـ عنا طبعا ـ الأستاذ"فيليب خورى حتى"لها دلالتها الناطقة بجهل الفاتحين ، وانحطاط مستواهم . كما يدل نبأ الفلاح الأمريكى الذى اشترى شلالات"نياجرا"على غباوة الأمريكان عموما ...! ونحن لا نردد هذه التوافه إلا لغرض أهم نحب توضيحه .. هو أن الروايات الفردية المجردة المبتورة عن ملابساتها ، لا يجوز أن يفهم منها تاريخ ولا أن ينتزع منها قضايا وأحكام .. فلنترك حكايات الأعراب السذج إلى حكاية يرويها المؤرخون عن زعيم عربى كبير هو"عمر بن العاص". هذا الرجل هو فاتح مصر ، وقدرته العسكرية الإدارية ليست موضع جدال. وقد ولاه عمر بن الخطاب حكم البلد الذى افتتحه فسار فيه سيرة محت من أذهان المصريين الذكريات السود عن حكم الرومان الأقدمين . و"عمرو"رجل يرى في نفسه الجدارة لولاية مصر . ويرى تنحيته عنها هضما لكفايته أولا وجحدا لصنيعه ثانيا . فكيف إذا عزل عن مصر ليجىء بدلا عنه رجل أهون شأنا ، وأضأل قدرا ، كعبد الله بن أبى السرح ؟ إن ذلك تصرف يحفظ عمرا ، ويطلق لسانه بالسخط . و"عمرو"ليس ممن يتنازلون عن حق لهم ، وليس ممن يقبلون ـ لله ـ أن يعتزلوا الفتن وينشدوا أجر الجندى المجهول على ما قدموا . وربما كانت له وجهة نظر في هذا المسلك الذى استولى عليه وهو يندد بسياسة عثمان . وعثمان ـ غفر الله له ـ كان مخطئا في توليه عبد الله بن أبى السرح إمارة مصر والغريب أنه لما بدا عجزه طلب من"عمرو"أن يعاونه ! ص _128