الصفحة 129 من 404

وفتحوا ولم يُخربوا ، ص _134

وتسلطوا فساسوا بالعدل ، وواسوا بالحق ، وخلطوا الأمم بعضها ببعض في أخوة الإسلام التى لا تميز بين الأقوام والألوان والأوطان ، وذاع في الأرض عد لهم ، وشاعت بين الناس سيرتهم ، فسالم من سالم ، وحارب من حارب ، قوما أصحاب شريعة من العدل والرحمة ، دعوتهم الأخوة وسيرتهم مكارم الأخلاق . قوما بيوتهم مساجد ورحالهم معابد يحاربون على شريعة ويسالمون على شريعة . ما الذى يسر للمسلمين الفتح ، ونشر سلطانهم في المشرق والمغرب في سنين قليلة ؟ الإيمان الذى ملأ قلوبهم في مبدأ سيرهم ونهايته وصحبهم من"بدر"إلى"بلاط الشهداء"وحالفهم مشرقين ومغربين وهازمين ومهزومين ، والثقة بوعد الله في فتح الأرض ، والسيطرة عليها بالحق والعدل . يسر لهم الإيمان واليقين كل عسير ، وذلل لهم كل صعب ، وأصغر لهم كل كبير ، وجمع كلمتهم وقلوبهم على الجهاد في سبيل الله والصبر على ما يلقون ، بل حبب إليهم لقاء الموت راضين مستبشرين . وكذلك يسر لهم الفتح أنهم ساروا إلى الأمم على شريعة جامعة وقانون محكم ، لا يعتدون ، ولا يبغون ، ولا ينقضون العهد ، ولا يخفرون الذمة،"تتكافأ دماؤهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم". وأنهم جماعة نظام ، وجند طاعة في السراء والضراء ، والشدة والرخاء ، والحرب والسلم . وأنهم لم يسيروا في الأرض ابتغاء المال والملك والسلطان والجبروت ، ولكن دعاة دين عظيم ، وشرع قويم ، وخلق كريم ، ورسل عدل ورحمة ، وأخوة ومواساة شعارهم تلك الآية: (إن هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاعبدون) . عباد زهاد ، شعارهم الآذان ، وحداؤهم القرآن ، وما رأى الناس جيوشا من العباد قبلهم سارت للدعوة إلى الحق ، وتمكين عدل الله في الأرض . بهذا طار ذكرهم ، وانتشر صيتهم ، لقد أخرجوا عبادة الله من الصوامع المنعزلة إلى أرض الله الواسعة . وأنهم سيطروا فأزالوا سلطان الجبارين عن الضعفاء والمساكين ، وأفنوا الناس على ما تعمله أيديهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت