الصفحة 146 من 404

ومن ثم فهيهات أن يعرضوا له ، أو أن يرضوا به إذا زلوا فيه . . وعرفانهم بالله يلزمهم شاطئ الأمان إذا كان كثير من الناس يغرق في لجج هذه الدنيا أو تطويه في سبحها الشاق عواطف الرغبة والرهبة . . وهنا يجب أن أؤكد حقيقة هى ألزم ما تكون للدعاة . فإن قوانين اللذة والألم تسرى على الناس قاطبة ، وتجعلهم يرغبون ويرهبون ببواعث لا حصر لها . وأولى ثمرات الإيمان تهذيب هذه الطبيعة وكبح جماحها . والمفروض أن الداعية العارف بالله قد بلغ من منازل الإيمان منزلة تجعل رجاءه في الله وحده يسبق كل رغبة إلى مخلوق ، كما تجعل خشيته لله أسرع إلى فؤاده من أى رهبة تخامر نفسه أمام ذى سلطان . إن ابن الرومى ـ شأن كثير من الشعراء في الزمان الماضى ، وكثير من الصحافيين في زماننا هذا ـ تعرض بمدح ذوى الجاه لاكتساب جوائزهم . فاسمع إليه وهو يقص هذه التجربة مع أحدهم: ظُلمت حاجتى فلاذت بحقويك فأسلمتها لكف القضاء وقضاء الإله أحوط للناس من الأمهات والآباء غير أن اليقين أمسى مريضا مرضا باطنا شديد الخفاء لو يصح اليقين ما رغب الراغب إلا إلى مليك السماء وعسير بلوغ هاتيك جدًا تلك عليا منازل الأنبياء وأخطأ ذلك الشاعر حين وصف توحيد الله في الرغبة والرهبة بأنه عسير . إن ذلك سهل على كل من نور الله قلبه ، وسدد في الحياة خطوه . وهو خلق لا يجوز أن ينفك عنه داعية إلى الله . ومن الصلة بالله إعزاز كتابه ، وإدمان تلاوته ، وتدبر معانيه ، وعقد مقارنة مستمرة بين المثل التى يحدو العالم إليها ، والواقع الذى ثوى الناس فيه ، لتكون هذه المقارنة حافزا على تذكير الناس بالحق ، وقيادتهم إلى الله ، وتأهيلهم لرضوانه . وقرب الداعية من كتاب الله يجب أن يكون متعة لروحه ، وسكنا لفؤاده ، وشعاعا لعقله ، ووقودا لحركته ، ومرقاة لدرجته . ص _153

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت