الصفحة 15 من 404

والذين يقولون: إن هناك غنى عن الدين هم في الواقع أقوام لا يؤمنون بالله ، ولا يصدقون بلقائه بعد الممات ، ولا يتصورون قيامه جل شأنه على نفوسهم وأعمالهم في هذه الحياة . وقد تمزق على شفاههم كلمات:"الله"،"الفضيلة"،"المثل العليا"دون أن يكون لهذه الكلمات مدلول حقيقى في أنفسهم . إنه نوع من الشقشقة الفارغة ، ليس وراءها جد في الصلة بالله ، والأخذ عنه وتحكيم شرعه ، والتهيؤ لحسابه في يوم الدين . وقد مرت بالعالم أعصار طوال ، ليس من بينها عصر خفت فيه حاجته إلى دعوة الله ، وصوت الوحى ، لكن هذا العصر الذى نعيش فيه هو أشد العصور فقرا إلى الاتصال بالسماء ، والانعطاف إلى الدين ، والتوقير لكلمات الله . ذلك أن الرقى العقلى المحض الذى بلغته الإنسانية يجعل مستقبلها على حافة الهاوية ، إن لم يقترن هذا الرقى باكتمال روحى معتمد على الله ورسله . إن الذكاء الحاد في الرجل الخبيث سلاح شر ، وأداة فتك . وما يعيب أحد الذكاء ، وإنما يعيب النفس الرديئة التى تسخره في الأثام . ونحن الآن في فترة من تاريخ الدنيا يظن الإنسان فيها أنه امتلك الفضاء ، وأوتى مفاتحه ، فهل ذلك بشير خير؟ كلا . إن الجفاف الروحى ، والانقطاع الرهيب عن الله رب العالمين ، والصدود الغريب عن تراث النبيين ، وغلبة الأثرة والجشع على الأقوياء ، وسيادة المنطق المادى في كل شئ ، إن هذا نذير شؤم. وأى تقدم يحرزه العلم في تلك الميادين لا يبعث على التفاؤل ، ما لم يصحبه عود سريع إلى الله ، وإعزاز لأمره ، وإعلاء لشرعه . * * * إننا ـ مع احترامنا البالغ للعقل الإنسانى ، والضمير الإنسانى ـ لا نرى فيهما غناء عن كلام الله ، وسنن المرسلين . ذلك أن هناك معارف تتصل بذات الله ، وما ينبغى له وما كلف به عباده من فروض ، لا مجال لتلقيها إلا من منبىء عن الله ، موثوق بأخباره . وأعرف أن بعض الناس يزهد في معانى العقيدة ، وضروب العبادة . ص _020

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت