الصفحة 158 من 404

فهو يصب جاهليته في قالب من المحافظة على المثل العليا ، ليبدو أمام الناس كبيرا وهو في حقيقته صغير . ثم هو قد تكلف الإيمان رداء يوارى سوءته لأن الإيمان هو"النقد"الرائج في هذه الجماعة الناهضة . ولو أن هناك عوضا آخر مكانه من أى مبدأ ، أو أى منهج لما تردد في اعتناق هذا العوض والأخذ به . فالأمر عنده ليس دينا يُتبع ، وتستضيء به النفس ، وتنزل على أحكامه . وإنما الهم الأول والآخر هو انطلاق هذه النفس لإشباع دنياها ومآربها في ظل الدين إن وجد ، وفى ظل غيره إن عرض ..!! والأدعياء في ميدان الدين مصيبة جسيمة ، تنكب بها تعاليم الدين ، وتضطرب حالته ، وتنكس رايته . عن علىّ رضى الله عنه أنه ذكر فتنا تكون في آخر الزمان ، فقال له عمر: متى ذلك يا علىّ ؟ قال: إذا تُفقه لغير الدين ، وتُعلم العلم لغير العمل ، والتمست الدنيا بعمل الآخرة . رواه عبد الرازق أيضا في كتابه موقوفا . وهناك حديث ابن عباس المرفوع وفيه:"ورجل آتاه الله علما فبخل به عن عباد الله ، وأخذ عليه طمعا ، وشرى به ثمنا ، فذلك يلجم يوم القيامة بلجام من نار ، وينادى مناد: هذا الذى أتاه الله علما فبخل به عن عباد الله وأخذ عليه طمعا واشترى به ثمنا ويظل كذلك حتى يفرغ الحساب". ولا نحب أن نشتط مع الخيال حين نبحث في بواعث العمل وننشد خلوصه لله وحده . فإن التعامل مع البشر يقتضى الاعتراف بمطلبهم ، ورغائبهم ، وميز ما يحمد منها وما يعاب . الناس ـ وبينهم الدعاة ـ يشتهون الدنيا ، ويستهويهم متاع الحياة . فإن الله غرس ذلك في طبائعنا ، وقال ـ واصفا ذلك في كتابه: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ..) . ص _165

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت