الصفحة 48 من 404

وأما مثل اليهود فلا يصح أن يُسَمَّوا أهل فترة ، فإنهم على نسيانهم حظا مما ذكروا به وتحريفهم بعض ما حفظوا ، قد بقى جوهر دينهم معروفا لم يُغَش أحكامه ما يمنع الاهتداء بها . والله تعالى يقول: (وعندهم التوراة فيها حكم الله) . وكذلك المسيحيون لا يُسَمَّون أهل فترة ، لأن عندهم في التوراة ووصايا الأنبياء ما عند اليهود وزيادة مما حفظوا من وصايا المسيح ، وروح الدعوة موجودة عندهم. ولكنهم لا يعملون بهذه الوصايا ، ولا يأخذون بتلك الأحكام ، ولا عذ ر لهم يحول دون العقوبة . وأما الصابئون فإن كانوا فرقة من النصارى كما يظهر من الوفاق بينهما في كثير من التقاليد كالمعمودية والاعتراف وتعظيم يوم الأحد ، فالأمر ظاهر أن حكمهم كحكمهم وإن كان الخلط عندهم أكثر ، والبعد عن الأصل أشد . حتى إنهم اعتقدوا تأثير الكواكب ، وأحاطت بهم البدع من كل جانب . على أنهم أقرب إلى روح المسيحية من النصارى . فإن عندهم الزهد والتواضع اللذين يفيضان من كل كلمة تؤثر عن المسيح عليه السلام . والنصارى صاروا أشد أمم الأرض عتوا وطمعا وإسرافا في حظوظ الدنيا . ويقال: إن الصابئة ملة مستقلة يؤمنون بكثير من الأنبياء المعروفين . ولكن قد اختلط عليهم الأمر ، كما اختلط على الحنفاء من العرب ، إلا أن عندهم من التقاليد والأحكام ما لم يكن عند العرب . فإن كانوا أقرب إليهم ، فلهم حكمهم ، و إلا فهم كاليهود والنصارى يسألون عن العمل بدينهم بعد فهمه كما يجب ، حتى يأتيهم هدى آخر ، كأن تبلغهم دعوة الإسلام فإن لم يفعلوا فهم مؤاخذون . ذلك ، وقد علمنا أن أهل الفترة هم الذين لم تبلغهم دعوة صحيحة تحرك إلى النظر ، أو بلغهم أن بعض الأنبياء بعثوا ولكن لم يصل إليهم شيء صحيح من شرائعهم ، فهم يؤمنون بهم إيمانا إجماليا كالحنفاء من العرب الذين كانوا يؤمنون بإبراهيم و إسماعيل ، ولا يعرفون من دينهما شيئا خالصا كما تقدم آنفا . ص _053

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت