فهرس الكتاب
وقالت النصارى مثل ذلك . فقال المسلمون: كتابنا بعد كتابكم ، ونبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد نبيكم ، وديننا بعد دينكم ، وقد أُمرتم أن تتبعونا وتتركوا أمركم ، فنحن خير منكم ، نحن على دين إبراهيم و إسماعيل وإسحق ، ولن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا . فأنزل الله تعالى: (ليس بأمانيكم) الآية . وروى نحوه عن مسروق وقتادة . وأخرج البخارى في التاريخ من حديث أنس مرفوعا:"لَيْسَ الإيمانُ بالتَّمَنِّى ، وَلكنْ مَا وَقَرَ في الْقَلْب وَصدَّقَهُ الْعَمَلُ . إن قَوْمًا أَلْهَتْهُمْ أمَانىُّ المْغْفرَة حَتَّى خَرَجُوا منَ الدُّنْيَا وَلاَ حَسَنَةَ لَهُمْ ، وَقَالُوا: نَحْنُ نُحْسِنُ الظّنَّ بِاللَّهِ تَعَالَى ، وَكَذَبُوا ، لَوْ أَحْسَنُوا الظَّنَّ لأحْسَنُوا الْعَمَلَ". والحكمة في عناية الله تعالى بالنعى على المغترين بالانتساب إلى الدين أيَّا كان ظاهرة. فإن هذا الغرور هو الذى صرفهم عن العمل به اكتفاء بالانتساب إليه وجعله جنسية فقط . وترك العمل لازم أو ملزوم ، لعدم الفقه في الدين ، أى عدم فهم حكمه وأسراره ، وتبع هذا في الأمم السابقة ترك النظر فيما جاء به النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ . لأن المغرور بما هو فيه لا ينظر فيما سواه نظرا صحيحا لا سيما إذا كان مخالفا له. وذكر الأستاذ الإمام في تفسير هذه الآية مسألة أهل الفترة . والخلاف المشهور فيها: وهو أن جمهور أهل السنة يقول: إنهم ناجون ، لأنه لا تكليف إلا بشرع ، وهؤلاء لم تبلغهم دعوة . ومَنْ قال: إن بالعقل يدرك الواجب والمحرم والاعتقاد الصحيح والباطل ، عَدَّهم غير ناجين . وهذا رأى المعتزلة وجماعة من الحنفية . وجمهور الأشاعرة على أنه لا يمكن إدراك ذلك إلا بالشرع . ثم إن محل النظر في أهل الفترة من كان منهم كالعرب الذين ما كانوا يعتقدون نبوة أنبياء ولا يجدون لديهم شيئا من أحكام دينهم خالصا من الشوائب سالما من النزعات الفاسدة . ص _052