فهرس الكتاب
(أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا ، أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا) . هل يوجد أسلوب آخر لتكميل الإنسان وتبصيره الحق وتعريفه الخير؟ هل يوجد شىء آخر ، بعد أن يتقدم الوحى الأعلى فيحرك الواقف ويصلح المختل من هذا الجهاز الإنسانى العجيب ، ثم يدفعه باسم الله في طريق عتيدة واضحة الأهداف موائمة لطبيعته الزاكية كما تتواءم المسافة بين شريطى السكة الحديد وبين عجلات القطار المنسابة فوقهما ؟. لا يوجد شىء آخر إلا ذلك الإسلام، وذلك أساس خلوده. ولقد قال أحد العلماء: إذا ثبت أن الإسلام هو الصراط المستقيم فلن يكون بعد محمد نبى ، ولا بعد دينه دين . ذلك أن الخط المستقيم هو أقصر صلة بين نقطتين ، ومن ثم فلا يمكن أن يتعدد. ولقد رأيت مبلغ الاستقامة في تعاليم هذا الدين ، وكيف أنه رسم سياسة للإصلاح العام لا عوج فيها ولا تعقيب عليها . ومن المستحيل تصور قادم آخر في السماء يزيد حرفا أو يغير وضعا من جملة الشرائع التى جاء بها محمد بن عبد الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . والحقيقة أن كل ألم ، أو اضطراب ، أو فوضى ، تهز كيان العالم بين الحين والحين إنما مردها إلى عدم أخذه بهذا الدين وشروده عن صراطه المستقيم . إن الإسلام هو كلمة الحق الخاتمة ، الجامعة المانعة ، التى لا يتصور جديد بعدها ، إلا أن يكون هذا الجديد لغوا لا معنى له ، أو عبثا لا خير فيه . ويسير علينا بعد هذا الوصف المجمل للإسلام أن نرى فروقا بين دعوته ، والدعوات التى سبقته . إن الرسالات السابقة كانت محلية ، موقوتة ، محدودة الزمان والمكان . جهد أصحابها- دون غمط أو انتقاض- إنقاذ قبيلة من الناس من جهالات أو ضلالات فشت فيهم وكادت تودى بهم . فهم- صلوات الله عليهم- أطباء حاولوا أن يشفوا أقوامهم من علل غلاظ، وأقلهم استجيب له ، وكثرتهم جحد حقها ونكر فضلها . وهلكت أممهم صريعة بأدواء الكفر والعناد . ص _081