فهرس الكتاب
(ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون) . إن الإسلام جاء ليرد للإنسان اعتباره المفقود، وليحفظ عليه قدره المهدد أى ليجعله إنسانا حقا، إنسانا مستقيم الفطرة كما خلقه الله، ذكى العقل، حديد النظر، واعى السمع، صائب القول، سديد الحكم. وهذه الخصال هى مقومات الإنسان، وهى بعينها مقومات الإيمان، فإذا تطرق الانحراف إلى شىء منها فانتظار الإيمان الحق جهد ضائع. ومن ثم يقول الله لنبيه: (ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون * ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون * إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون) . إن الإسلام عالج الإنسانية بأصح دواء يمكن أن يقدم لها، وذلك بالتعويل على المقاومة الذاتية للإنسان، أو المناعة الخاصة الكامنة فيه، وحشدها في صعيد واحد لتصد أى هجوم يغرى بالكفر والفسوق والعصيان. وذلك سر الحديث الطويل في كتاب الله، والمناشدة المستمرة للإنسان، ألا يسف وألا يخون فكره ، وألا يجحد سمعه وبصره ، وألا يتدلى إلى درك لا يليق به . ذاك سر التساؤل المترادف:"أفلا تذكرون"،"أفلا تعقلون"،"أفلا تتفكرون". (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب التي في الصدور) . والواقع أن كل ضعف يتطرق إلى القوى العقلية، أو إلى مقدرة الحواس في الملاحظة والوعى، فهو هدم لجزء مساو من حقائق الإيمان وعاطفة التدين. إن الإسلام حاسم في أنه يريد إنسانا مفتوح البصر والبصيرة ، لأنه يريد إيمانا عميق الجذور ، وثيق الضمانات . أما حيث يغلب الجهل ويزين الهوى وتستحكم الغفلة ، فإنا نكون بإزاء حيوان لا إنسان . ص _080