فهرس الكتاب
* (وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون) . التفكر، والتذكر، والتعقل، ثم الشكر. هذه هى أسباب اليقين وطرائقه الصحيحة، ومدارها- على ما ترى- الحركة الذاتية في الإنسان نفسه. هذه هى الحركة التى تصور وظيفته في الحياة ومنزلته في الكون وتؤكد أولًا وأخرًا قيمته الخاصة ومكانته الجليلة. ومعنى هذا أن الإنسان مكلف باستخدام حواسه على نطاق واسع، فالسماع الغافل أو النظر الأبله، أو النطق الغبى، هبوط لا يليق بامرىء يحترم نفسه ويدرك كيف كرمه خالقه وفضله تفضيلا . الإنسان الحق: عميق النظر، فقيه السمع، راشد القول. ولما كان الإسلام- كما بينا- يستهدف جعل الإنسان إنسانا فهو يجعل الكفر نتيجة طبيعية لانطماس المشاعر وبلادة الحواس: (و عرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا ، الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري و كانوا لا يستطيعون سمعا) . (.. يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون) . وعدم استطاعتهم السماع أو استبانتهم الرؤية لا ترجع- بداهة- إلى رمد أو صمم ، إنما يرجع إلى أن القوم عطلوا مواهبهم، وذهلوا عن قيمتها العليا، أو سمحوا للدنايا أن تصرفها في الأباطيل. وقد يستغرق الغافل في ذهوله فإذا ناديته لم يصل إليه الصوت إلا خافت النبرة ضائع المعنى، فكأنه- وهو قريب منك- على مسافة ميل!. (.. والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد) . بل قد يصل الموت الأدبى بهؤلاء الجاحدين المذهولين أن تصل صدى الدعوات إلى آذانهم، فلا يفقهون منها- على شدة وضوحها- إلا ما تفقهه القطعان عندما يصفر لها الراعى لتشرب أو لتسير. ص _079