الصفحة 77 من 404

كيف انتشر الإسلام من بضعة قرون وجذوة النشاط العقلى في بلاد الإسلام تبرد رويدا رويدا، والستور الحاجبة تسدل على الفتوح الأدبية العالية التى اقترنت بظهور الإسلام وانتشاره في أرجاء العالمين . وإنه لمحزن أن يفقد المسلمون أولى الخصائص الروحية والفكرية لدينهم العظيم وأن يرتدوا قليلا قليلا إلى الجاهلية التى تخلص منها أسلافهم الكبار ، بل التى خلصوا منها سائر الأجناس . وأدعى إلى المزيد من الحزن أن يجىء هذا الارتكاس في فترة النهوض المادى الخطير الذى شمل أوروبا ، والذى اهتبل فرصته أعداء الإسلام فسخروه تسخيرا تاما ضد هذا الدين وضد الأمم الداخلة فيه.. في دور التخلف العلمى الذى شاننا وأوهن قوانا ، وبعثر تراثنا الثقافى في حواضر الغرب ، أو طواه تحت طبقات من الإهمال ، في هذا الدور ظهر"الاستشراق"ليكون رائدا ذكيا أمام حركة المد التى أقبلت من أوروبا ، واستكشافا يدل الغزاة على العورات المتوارية والثغور المهملة . والمستشرقون نفر من الناس جَنَّدهم الاستعمار في ميدان العلم أداة لطعن الإسلام وتشويه حقائقه واصطناع الفتوق فيه . وأسلوبهم الأثير أن يلبسوا الحق بالباطل ، وأن يمزجوا- بشتى الحيل- بين بعض المعارف الصحيحة والأكاذيب المفتراه ، في سياق يبدو لقليل الدراية أنه بحث محايد لا ريب فيه . وجمهرة المستشرقين يرون أن محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ دَعِىٌّ لا يحمل رسالة من السماء ، وأن قرآنه تلفيق من عند نفسه ، وأنه استطاع- في ظروف مواتية- أن ينتضى السيف ويجهز على أعدائه . وعلى العكس من ذلك كله يرون أن النصرانية حق ، وأن كتبها وحى مقدس ، وأن استدامة وجودها ضرورة ، وأن تحطيم الإسلام أمامها فريضة حتم . ويختلف المستشرقون في الطرق التى توصلهم إلى هذه الغاية . ص _083

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت