فهرس الكتاب
لقد دأب على الاستشهاد بكتبهم المقدسة ، ومنحهم الحرية التامة في إقامة شعائرهم الدينية ، وساوى بينهم وبين المسلمين في الحقوق السياسية ، ولكنهم قابلوا صنيعه باستهزاء وسخرية . فلما أخفقت آماله في استمالتهم إليه ، وأصبح من الواضح أن اليهود لا يقبلون"محمدا"نبيا لهم أمر صحابته بأن يولوا وجوههم شطر الكعبة بمكة (سورة 2: آية 144) ! وكان لتحويل القبلة مغزى أبعد مما قد يبدو لأول وهلة . إذ كان ذلك في الواقع بداية للحياة القومية في الإسلام . فقد جعل من الكعبة في مكة مركزا دينيا للمسلمين كافة ، كما كانت في الأزمان الغابرة مقصدا لحج القبائل العربية جميعا . ونظير ذلك في المكانة ما كان من جعله الحج إلى مكة ـ تلك العادة العربية القديمة ـ فريضة من فرائض الإسلام ، فأصبح هذا العمل شعيرة مقدسة يؤديها كل مسلم مرة على الأقل في حياته". أ. هـ . * * * وهذا الكلام من أوله إلى آخره تخليط وشرود . فإن الإسلام لم يختص اليهود بتلطفه وإحسانه ، حتى يكون مهتما في أدبه مع هؤلاء القوم . إن الإسلام سبق بالمياسرة والتجمل في علاقاته مع عبدة الأوثان وأهل الكتاب جميعا . ولم يجنح إلى القتال إلا بعدما أخرجه العدوان وتهدد حياته . أما القبلة الأولى فقد اتجه المسلمون إليها في مكة ، قبل أن يعاشروا يهود ، أو يكونوا معهم صلة ما . وذلك طبيعى في دين يعترف بالنبوات القديمة ويصدق أصولها ويخالف الوثنية الضاربة في أرجاء الجزيرة ويخاصم شركها . فلما حقت كلمة الله على أهل الكتاب ، وبدا من مسلكهم إزاء الرسالة الجديدة أنهم مصرون على حربها ، وأنهم بهذه الحرب ينسلخون عن قواعد الدين كما جاء بها شيخ الأنبياء"إبراهيم"، صرف الله المسلمين عن القبلة التى تجمعهم مع اليهود والنصارى إلى القبلة التى بنى إبراهيم نفسه أركانها وأقام معالمها . ص _095"