الصفحة 96 من 404

وأغرب المطالب أن يتوجه بعض الناس إلى الإسلام بالاعتراض والتساؤل: لماذا لم تبق أيها الدين رسالة عائمة مطاردة تعرض على الناس ـ إن سُمح لها ـ وكأنها خيال حالم ، أو تفكير فيلسوف صغير ؟! لماذا تحولت أيها الدين إلى فكرة تمد جذورها في أعماق المجتمع وتنشر أغصانها في أرجائه ، وتصنع الأجيال الجديدة وفق ما تريد ، وتدفع عن ثمارها المغيرين والخطافين ؟. ومن الذين يتوجهون بهذا التساؤل ؟ الذين يتوجهون إلى الإسلام بهذا التساؤل ، هم الذين أقاموا دولة للوثنية تضيق الخناق على التوحيد ، ودولة للصليبية تطارد المخالفين لرأيها في كل مكان ، وتسد أمامهم منافذ الفضاء . دولة ظلت ، ولا تزال ، طوال عشرين قرنا وهى عدو لدود لمن لا يقتنع بثالوثها وقرابينها وتفكيرها المعقد العجيب . هؤلاء وأولئك هم الذين أنكروا أن تقوم للإسلام دولة . وهم الذين صاحوا ـ بعد أن تكسرت أنيابهم وهى تحاول عض الإيمان المدرع ـ قائلين: إن هذه القوة لا معنى لها ويجب أن تبيد ! وردنا على هؤلاء وأولئك ، أن الدولة في الإسلام ركن هائل لدعم ما احتواه من إيمان وإحسان . والقوة ليست عيبا . إنما العيب استغلالها السىء ، وتسخيرها لفرض الهوى وإقرار الجور. والجمال ليس عيبا . إنما العيب التوسل به لإشاعة الخنا ، ونشر المنكر . والسلطة ليست عيبا إذا باشر المرء بها أموره الخاصة ولم يحتج بها إلى تسول عون أو الاستصراخ بمنقذ . وتولي الحكم ، وإدارة دفته ليسا منقصة إذا كانا إنفاذا لأوامر الله وإقامة لحدوده في الأرض . إن الدولة في الإسلام تنظيم وحراسة ، وصون لتراث السماء وأمان لجماهير الناس ، وسياج حول الدماء والأموال والأعراض . ولم تكن الدولة ولن تكون في هذا الدين ذريعة فتك واغتصاب ، ولا وسيلة فتنة واضطراب ، ولا أداة لتحويل الناس قسرا عن عقائدهم ، وما ارتضوه من ألوان الإيمان . والإسلام لم يجعل من الحكم قنطرة لإدخال الناس فيه كرها . ص _102

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت