فهرس الكتاب
بل إن الإيمان الناشىء عن إكراه لا قيمة له عنده ، وليس له عند الله مثوبة. وكما أن كلمة الكفر التى ينطق بها المؤمن كرها لا تخلعه من الإيمان ، فكذلك كلمة الإسلام التى يتلفظ بها تحت الضغط لا تخرجه عن الكفر ! والإسلام دين يرد الأعمال إلى النيات ، ولا يهمل أبدا شأن القلوب . والزعم بأن الإسلام استغل الحكم يوما لمطاردة الكافرين وإرغامهم على اعتناقه زعم مكذوب من أوله لآخره ، وخلة في الآخرين يرمون بها الأبرياء شأن كل مُريب صفيق . * * * إن الشىء الذى يغيظ أعداء الحقيقة ، هو أن الإسلام زودته العناية الإلهية بتعاليم تجعله صلب المكسر ، لا يستطيع الباطل أن يجتاحه بسهولة ، ولا أن ينال منه بيسر . بل نقدر أن نقول: لقد كان هذا الباطل يزأر في عرصات الدنيا دون تهيب ، ويزعج الآمنين في كل قطر دون وجل . فلما ظهر الإسلام ، واشتبك الباطل معه ـ على عادته ـ عاد من هجومه مقصوم الظهر ، مخضوب الكف . فراح يجأر بالشكوى أن الإسلام دين سيف ، وأن الحكم في رحابه جعله صلب العود . نعم هو كذلك ، وما عيب السيف إذا رد المعتدين ؟! وما عيب الصلابة في الحق إذا استعصت على الفتانين ؟ إن السؤال الذى يجب أن تتحدد الإجابة عليه هو: هل كان الحكم في الإسلام أساسا لفتنة غير المسلمين عن دينهم ؟ هل كانت الدولة في خدمة الدعوة من حيث استغلال أجهزتها للفتنة والإعنات؟ والجواب نأخذه من كلام سير"توماس أرنولد"نفسه . لقد ذكر الرجل في الباب الثالث عشر كيف أن الإسلام لا توجد فيه هيئه منظمة للدعاة ، وأن انتشاره خضع ـ أولا وأخرا ـ لحماسة الأفراد وقوة إيمانهم بصدق رسالتهم ، وعظمة دعوتهم .. والإسلام ـ في هذا ـ يخالف النصرانية التى قامت فيها أجهزة منظمة للتبشير والدعاية على أوسع نطاق . بل التى قامت لها دول تستأصل المخالفين ، وتضن عليهم بحق الحياة . ص _103