كما أن زعمه هذا فيه قدح بعلماء الحديث المحققين ، و إغفال لجهودهم الكبيرة في نقد متون الأحاديث ، و مصنفاتهم في هذا الموضوع شاهدة على ما بذلوه في نقد المتون و الأسانيد معا ، منها كتاب الموضوعات في الأحاديث المرفوعات، و كتاب العلل المتناهية ، و هما لابن الجوزي ، و ميزان الاعتدال في نقد الرجال للذهبي، و نقد المنقول لابن قيم الجوزية ، و هذه المصنفات مطبوعة و متداولة بين أهل العلم ، و سنذكر نماذج كثيرة لهؤلاء و غيرهم ، نقدوا فيها متون الأحاديث قبل أسانيدها ، نوردها في مبحث لاحق بحول الله تعالى .
و ثالثها إن قوله بأن نقد المتن مقدم على نقد الإسناد هو قول غير صحيح على إطلاقه ، و لا يصح إلا في حالة ثبوت استحالة الخبر ، و أما في حالات دخول الخبر دائرة الإمكان العقلي و الواقعي فإن الأمر يتغير تماما و تصبح طبيعة الخبر هي التي تفرض نفسها في التقديم و التأخير ، أو الجمع بينهما-أي الإسناد و المتن- ، فقد يكون عندنا خبر ممكن الحدوث يتناول جانبا عاديا من الحياة اليومية لشخص ما ، لكنه يصعب علينا تحقيق نسبته إليه من حيث متنه ، و لا يتأتى لنا ذلك إلا عن طريق نقد إسناده .
كما إن قوله بأنه لا فائدة من النظر في الإسناد إذا كان الخبر مستحيلا ، فهو قول صحيح بلا شك ، لكنه مع ذلك تبقى لدراسة الإسناد في هذه الحالة فائدة كبيرة غفل عنها ابن خلدون ، هي أن دراستنا لإسناد خبره مستحيل ، تمُكننا من التعرّف على الراوي أو الرواة الذين كذبوا ذلك الخبر ، و هذا يساعدنا على تصنيف هؤلاء الكذابين ، و استبعاد رواياتهم ، أو التعامل معها بالشك و الحذر و الحيطة .