الصفحة 9 من 315

و قد غاب عنه أيضا أن قانون الإمكان و الاستحالة ليس مطلقا يصدق على كل الناس و في كل أحوالهم ، ففيه جانب نسبي يختلف من شخص لآخر ، فقد يكون خبر ما مستحيلا في حق شخص ، و لا يكون كذلك في حق شخص آخر . و الذي هو ممكن في حق الملوك قد لا يكون ممكنا في حق عوام الناس . و الذي يكون مستحيلا بالنسبة للفقير ، فقد لا يكون مستحيلا بالنسبة للغني . و الذي يكون ممكنا بالنسبة للعالم قد لا يكون ممكنا بالنسبة للأمي ، فهذا النوع من الروايات التاريخية ، لا يمكن تحقيقها بمجرد النظر العقلي ، من حيث الامكان و الاستحالة ، و إنما يتم تحقيقها بدراسة أسانيدها و متونها معا .

و ثالثا إن موقفه من النقد عن طريق الإسناد-أي عن طريق الرواة- ، يتضمن أخطاء كثيرة ، أولها إنه زعم أن التحقيق بنقد الأسانيد-أي الجرح و التعديل- هو خاص بالأخبار الشرعية ، -أي الأحاديث النبوية- و هذا زعم غير صحيح ،لأن الإسناد يخص كل الأخبار التاريخية دون استثناء ، فنحن إذا أردنا تحقيق خبر ما تحقيقا كاملا فلابد من تحقيقه إسنادا و متنا ، لأن الخبر الذي لا إسناد له هو خبر لا أصل له و لا مصدر ، فكيف نقبل خبرا هذا حاله ؟ ! .

و ثانيها إنه زعم أن نقد الإسناد هو المعتبر في صحة الأحاديث النبوية ، و هو السبيل الموصل إلى ذلك (1) ، و هو زعم باطل ، لأنه لم يذكر لنا دليلا على هذا التخصيص ، و لا يُوجد في علم مصطلح الحديث أن الأحاديث النبوية تُنقد من أسانيدها دون متونها ، و إنما الموجود فيه هو أنها تُنقد إسنادا و متنا ، مع التركيز على جانب دون آخر حسب طبيعة كل رواية ، و قد ردّ المحدثون أحاديث صحيحة الأسانيد لأن متونها منكرة ، و الأمثلة على ذلك كثيرة جدا ، سنذكر بعضا منها لاحقا إن شاء الله تعالى .

(1) المقدمة ، ص: 29 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت