الصفحة 8 من 315

أولا إنه -أي ابن خلدون - بالغ كثيرا في الدعوة إلى الاعتماد على قانون المطابقة بين الروايات التاريخية ، و الثابت من التاريخ ، و الواقع الطبيعي ، فدعا إلى استخدامه كقانون أساسي ، و أهمل استخدام الإسناد في النقد التاريخي ، و نحن لا ننكر ما لقانون المطابقة من أهمية في النقد التاريخي ، و لكننا ننكر عليه مبالغته في الاعتماد عليه ، و سكوته عن نقائصه من جهة ، و ازدرائه بطريقة نقد الأسانيد من جهة أخرى . فقد غاب عنه أن قانون المطابقة محدود و لا يصلح لتحقيق كثير من الأخبار التاريخية ، التي تدخل في إطار الإمكان العقلي و الواقعي ، و المتعلقة بالسلوكيات و التصرفات العادية ، و بالحِكَم و الأمثال ، و الأوامر و النواهي ، فهذا النوع من الحوادث التاريخي لا يمكن تحقيقها -في الغالب- إلا عن طريق نقد الأسانيد لا المتون ، و سنذكر على ذلك أمثلة كثيرة في موضع لاحق إن شاء الله تعالى .

و ثانيا إن ما قاله من أن النظر في الأخبار من حيث الإمكان و الاستحالة لتمييز صحيحها من سقيمها هو طريق برهاني لا مدخل للشك فيه (1) ، هو قول مبالغ فيه ، و لا يكفي لنقد الأخبار و تمحيصها ، لأن قانونه هذا يُدخل الروايات التاريخية في إطار الامكان العقلي و الواقعي ، و لا ينقدها و لا يُصححها بالضرورة ، و إنما هو يستبعد الروايات المستحيلة ، و يُبقي الروايات الممكنة الحدوث، تنتظر النقد و التمحيص ، لأنه ليس كل رواية ممكنة الحدوث بالضرورة أنها حدثت في الواقع ، فقد تكون مكذوبة و مزوّرة ، و هذا يعني أنه قد تجتمع لدينا روايات ممكنة الحدوث و هي مكذوبة ، و لا يمكن كشفها بالإمكان و الاستحالة ، و إنما يتم ذلك بنقد الأسانيد و المتون معا ، مما يعني أن ما قاله ابن خلدون من أن قانونه يُوصل إلى التمييز بين الحق و الباطل بطريق برهاني لا شك فيه ، هو قول مبالغ فيه ، و لا يصح على إطلاقه ، و لا يصدق على كل الروايات .

(1) نفس المصدر ، ص: 29 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت