الصفحة 7 من 315

و قال أيضا إن كثيرا من المؤرخين و المفسرين و المحدثين المسلمين غلطوا في روايتهم للأخبار ، لاعتمادهم على مجرد النقل دون أن يُحققوها ، و ذكر أن بعض المؤرخين ذكروا المستحيلات في مصنفاتهم و لم يُمحّصوها ، كالمسعودي الذي روى أخبارا مستحيلة ، منها رواية تمثال الزرزور بمدينة روما ، الذي تجتمع عنده الزرازير كل عام و هي حاملة للزيتون ، تأتي به إلى هذا المكان . و منها أيضا حكاية وجود مدينة مبنية كلها بالنحاس بصحراء سجلماسة جنوب المغرب الأقصى (1) .

و ذكر أيضا أن من أسباب غلط المؤرخين في تدوينهم للتاريخ ، منها أنهم يذهلون عن تبدّل الأحوال و الظروف و الملابسات في حياة الأمم و الأجيال ، بتبدل الأعصار و مرور الأيام ، فلا يتفطنون لتلك التحولات و التغيرات ، فيقعون في الأخطاء (2) .

و منها ولوع النفس بالغرائب ، و سهولة التجاوز على اللسان ، و الغفلة عن المتعقب و المنتقد ، حتى إن أحدهم لا يُحاسب نفسه على الخطأ ، و هذا هو الذي أوقعهم في الغلط في إحصاء الأعداد من الأموال و العساكر ، و المبالغة فيها (3) .

و منها أيضا التشيعات للآراء و المذاهب ، و الثقة بالناقلين ، و التقرّب إلى ذوي السلطان و الجاه ، و الجهل بطبائع الأحوال في العمران البشري ، فإذا كان الراوي عارفا بطبائع الحوادث و الأحوال في الوجود و مقتضاها ، أعانه ذلك في تمحيص الأخبار من حيث الصدق و الكذب ، و هذا أبلغ في التمحيص من كل وجه (4) .

ثانيا: أخطاء و نقائص منهج النقد التاريخي لابن خلدون:

لا نتطرّق في مبحثنا هذا لإيجابيات منهج النقد الخلدوني ، فهي كثيرة ، و إنما نتطرّق لأخطائه و نقائصه ، التي هي كثيرة أيضا ، لأنها هي صلب بحثنا هذا ، نتناولها فيما يأتي إجمالا و تفصيلا .

(1) نفس المصدر ، ص: 8 ، 29 .

(2) نفس المصدر ، ص: 22 ، 24 .

(3) المقدمة ، ص: 8، 9 ، 10 .

(4) نفس المصدر ، ص: 27 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت