الصفحة 101 من 315

و ربما يُقال إن ابن خلدون قال ذلك في الشمس بناء على المعلومات التي كانت سائدة في زمانه ، و هذا اعتراض وجيه ، غير أنه لا يكفي لتبرئة ابن خلدون من الخطأ ، لأنه لو استقرأ المناخات السائدة على الأرض اِستقراء صحيحا ، لتبين له أنها تقوم أساسا على حرارة الشمس المرتفعة . كما أن القرآن الكريم ذكر صراحة أن الشمس كالمصباح مشتعلة وقادة وهاجة ، و قد قال بذلك كثير من المفسرين في أثناء شرحهم للآيات المتعلقة بالشمس الوهاجة (1) . مما يعني أن أهل العلم في زمانه-أي ابن خلدون- لم يكونوا كلهم يقولون بما قاله هو في الشمس .

الرواية الثالثة: قصة مدينة إرم ذات العماد:

يقول ابن خلدون عن مدينة ذات العماد: (( و أبعد من ذلك و أغرق في الوهم ، ما يتناقله المفسرون في تفسير سورة الفجر ، في قوله تعالى: (( ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد ) )-سورة الفجر /7- ، فيجعلون لفظة إرم اسما لمدينة وُصفت بأنها ذات عماد ، أي أساطين )) ،و قالوا إنها مدينة لقوم عاد بصحارى عدن ، و إنها مدينة عظيمة ، قصورها من ذهب ،و أساطينها من ياقوت و زبرجد ، و فيها الأنهار و الأشجار ، ثم أهلكهم الله تعالى ، قال ذلك الطبري و الثعالبي و الزمخشري و غيرهم (2) .

و ذكروا أيضا أن الصحابي عبد الله بن قِلابة خرج في طلب إبل له فوجد المدينة ، و حمل منها ما قدر على حمله ، و كان ذلك زمن خلافة معاوية بن أبي سفيان ، فأحضر معاوية كعب الأحبار و سأله عنها ، فقال له: هي مدينة إرم ذات العماد ، و أنه يدخلها رجل من المسلمين و وصفه له ، فوجدوا الأوصاف تنطبق على الصحابي ابن قلابة (3) .

(1) راجع التفاسير التي سبق ذكرها .

(2) المقدمة ، ص: 11 .

(3) نفسه ، ص: 11-12 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت