الصفحة 102 من 315

لكن ابن خلدون أنكر وجود المدينة ،و قال إنه ليس لها خبر في شيء من بقاع الأرض، و صحاري عدن هي بوسط اليمن معروفة ، و لم يُنقل أنها موجودة ، و ليس لها خبر ، و لا ذكرها أحد من الأخباريين ، و لا من الأمم الأخرى ، لكنهم لو قالوا إها اندرست فيما دُرس من الآثار لكان أشبه ، لكن ظاهر كلامهم -أي المفسرون- أنها ما تزال موجودة (1) .

و يبدو من ظاهر كلام ابن خلدون أنه يُنكر وجود المدينة أصلا ، عندما قال إن الذي حمل المفسرين على قول ذلك ، هو ما اقتضته صناعة الإعراب في لفظ: ذات العماد ، بأنها صفة إرم ، و حملوا العماد على الأساطين ، فتعين أن يكون بناء ، ثم وجدوا في تلك الروايات -التي هي أقرب إلى الكذب- مستندا لهم فيما قالوه . ثم قرر ابن خلدون أن العماد المذكورة في الآية ، المقصود بها عماد الأخبية و الخيام ،و ليست أنها بناء خاصا في مدينة معينة أو غيرها (2) .

و تعقيبا عليه أقول: أولا ليس ابن خلدون هو أول من نقد روايات مدينة إرم ذات العماد ، سبقه إليها الحافظ ابن كثير و توسع في نقدها ، فذكر أن جماعة من المفسرين رووا أخبارا عن وجود مدينة يُقال لها: إرم ذات العماد ، مبنية بلبن الذهب و الفضة ، و حصاها لآلئ و جواهر ، و مليئة بالبساتين ، و قالوا إنها مدينة متنقلة ، فتارة تكون بالشام ، و تارة باليمن ،و تارة بالعراق . ثم قال ابن كثير: هذا كله من خرافات الإسرائيليين من وضع بعض زنادقتهم ليختبروا عقول الجهلة من الناس ، أيُصدقونهم بذلك أم لا (3) .

(1) نفسه ، ص: 12 .

(2) نفسه ، ص: 12 .

(3) تفسير ابن كثير ، ج 4 ص: 509 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت