الصفحة 104 من 315

و بذلك يتبين أن ابن كثير قد أنكر ما رُوي من أساطير حول مدينة إرم ذات العماد ، و انتقد المفسرين الذين رووها ، و ترجّح لديه أن إرم ذات العماد هي قبيلة ذات بيوت من الشعر القائمة على العماد ، و موقفه هذا هو نفسه موقف ابن خلدون من المسألة ، مما يدل على أن ابن خلدون ربما كان اطلع على ما كتبه ابن كثير و لم يُفصح عن ذلك ، و الله أعلم .

و ثانيا إن ابن خلدون و ابن كثير قد أصابا في تكذيبهما لما رُوي من أساطير حول مدينة إرم ذات العماد ، لكنهما جانبا الصواب عندما رجّح أن معنى (( إرم ذات العماد ) )، هو قبيلة إرم ذات البيوت من الخيام المرفوعة بالعماد ، و نفيا وجود المدينة أصلا ، و هذا لا أوافقهما عليه ، و أعتقد أن معنى الآية هو قبيلة إرم ذات البناء الصخري المرتفع القوي ، و بمعنى آخر أنها قبيلة إرم صاحبة مدينة ذات العماد القوية القائمة على الأعمدة ، بدليل الشواهد الآتية:

أولها إن في القرآن الكريم آيات تشير إلى أن قوم عاد كانوا يسكنون في مدينة ذات بناء قوي ، لا أنهم كانوا يسكنون في خيام من الشعر ، منها قوله تعالى: (( كذبت عاد المرسلين ، إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون ... أتبنون بكل ريع آية ،و تتخذون مصانع لعلكم تخلدون ، و إذا بطشتم بطشتم جبارين ) )-سورة الشعراء /123 و ما بعدها- ، فالآية صريحة في أن القوم كانوا يبنون و لهم بنيان لعلهم يخلدون ، و لا شك أن الذي يريد الخلود في الأرض لا يتخذ الخيام سكنا له ، و إنما يتخذ البناء الصخري القوي المرتفع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت