فهرس الكتاب
و الإشارة الثالثة قوله تعالى: (( و لقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ) )، و فيها خطاب لقريش بأن الله تعالى مكن لعاد ما لم يمكن لها ، من حيث القوة و المران و البطش ، و من المعروف أن قريشا كان سكانها أهل حضر ، و لم يكونوا بدوا ، فكان لهم عمران يناسب حالهم ، و مع ذلك فقد مكن لعاد ما لم يمكن لها -أي قريش- ، و عليه فإن قوم عاد كانوا أقوى و أكثر تمكينا في الأرض ،و هذا لا ينطبق على سكان البادية .
و الشاهد الثاني - على وجود مدينة ذات العماد- هو ما يُستنتج من قوله تعالى عن قبيلة إرم: (( و إرم ذات العماد التي لم يُخلق مثلها في البلاد ) )، فالله تعالى خصّ قبيلة إرم بخصائص ميزها بها عن باقي البشر ، من بينها قوة الأبدان و التحمل و البطش ، لقوله تعالى: (( و اذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم عاد و زادكم في الخلق بصطة ، فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون ) )-سورة الأعراف/69-، و من كانت هذه صفاتهم ، يكون تأثيرهم على الأرض كبيرا ، من حيث العمران و التوسع السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي ، و لا يكون تأثيرهم في إنشاء بيوت الشعر ، فهذا عمل تقوم به أضعف القبائل البدوية ، و لا يصلح أن يكون ميزة لقبيلة إرم من قوم عاد ، الذين خصهم الله تعالى بتلك الخصائص .
و الشاهد الثالث هو من اللغة العربية ، فإن من معاني: ذات العماد ، أنها الأبنية الرفيعة ، و الواحدة عمادة ، و أهل العمادة هم أصحاب الأبنية العالية الرفيعة ، و قيل إن قوم عاد كانوا يَنصبون الأعمدة ،و يبنون عليها القصور (1) .
(1) أبو بكر الرازي: مختار الصحاح ، ص: 293 . و علي بن هادية: القاموس الجديد ، ص: 697 . و القرطبي: تفسير القرطبي ، ج 20 ص: 45، 46 .