فهرس الكتاب
انتقد ابن خلدون المؤرخ المسعودي فيما رواه عن مدينة النحاس بصحراء سجلماسة-جنوب المغرب الأقصى- ،و قال إنها مدينة مغلقة الأبواب مبنية كلها بالنحاس ، و الصاعد إليها من أسوارها إذا أشرف عليها و رمى بنفسه لا يرجع إلى آخر الدهر . فقال ابن خلدون إن هذه الرواية مستحيلة عادة ، و هي من خرافات القصاص ، و لا أثر لها بصحراء سجلماسة ، التي نفضها الركاب و الأدلاء ،و لم يقفوا لها على خبر . كما أن ما رُوي في أحوالها هي مستحيلة عادة منافية للأمور الطبيعية في بناء المدن و اختطاطها . كما أن المعادن الموجودة في الطبيعة قليلة لا تكفي لبناء مدينة من تلك المعادن ، و غاية ما يُوجد منها يُستخدم في الأواني و غيرها ،و أما (( تشييد مدينة منها ، فكما تراه من الاستحالة و البعد ) ) (1) .
و واضح من الروايات الأربع الأخيرة ، أن ابن خلدون وُفق في نقده لها ، و كان رائعا متمكنا في نقده و تمحيصه لها ، و لم أعثر على من سبقه إلى نقدها . لكن منهجه النقدي الذي طبقه في نقده لتلك الروايات ، ليس جديدا ،و لا هو من مكتشفاته ، فهو منهج معروف تناولناه بتوسع في الفصل الأول .
الرواية الثامنة (2) : مسألة بقاء النبي الخَضِر حيا:
(1) نفسه ، ص: 28 .
(2) هذه الرواية لم يذكرها ابن خلدون في مقدمته ، لكنه أوردها في تاريخه العبر ، ذكرناها هنا لأنها امتداد لمنهجه النقدي ، و لأنها أيضا لها علاقة قوية بما نحن في صدده .