الصفحة 12 من 315

كما إن قوله بأن الخبر الشرعي معظمه تكاليف إنشائية - أي أوامر و نواه- هو تقسيم لا دخل له فيما نحن بصدده ، لأن الروايات سواء كانت خبرا أو إنشاء أو هما معا ، تدخل كلها في دائرة الرواية التاريخية ، و ترد إلينا كلها بكيفية واحدة .و الخبر البشري هو أيضا يتضمن الخبر و الإنشاء ، و كلاهما يندرج في إطار واحد ، و الحديث النبوي - سواء كان إنشاء أو خبرا - هو في المحصلة النهائية رواية تاريخية .

و من أخطائه أيضا إنه-أي ابن خلدون- جعل الخبر البشري هو الذي يخضع لقانون المطابقة من حيث الإمكان و الاستحالة ، و استبعد الخبر الشرعي من أن يخضع لذلك القانون ،و خصّه بالنقد من حيث الإسناد جرحا و تعديلا ، و هذا تخصيص غير صحيح ، ليس فيه لابن خلدون دليل نقلي و لا عقلي . كما أنه من الثابت أن كبار المحدثين المحققين نقدوا الأخبار النبوية و البشرية بمنهج واحد جمعوا فيه بين نقد المتون و الأسانيد معا ، دون تفريق بينهما ، و الأمثلة على ذلك كثيرة جدا ، سنذكر منها طرفا في موضع لاحق من هذا المبحث إن شاء الله تعالى .

و أيد الباحث فاروق النبهان ما ذهب إليه ابن خلدون ، و دافع عنه ، و قال إن (( الروايات الشرعية ليست خاضعة لمنهج عقلي ، لأنها تدخل في التكليف الشرعي ، و هو لا يخضع لقانون العمران من حيث تحكيم العقل في صحته و سلامته ، لأن ذلك يُلغي دور الشرائع السماوية ، و يجعلها تصورات عقلية محدودة ) ) (1) .

و ردا عليه أقول: إن دين الإسلام جاء بما يتفق مع العقل الفطري السليم تمام الاتفاق ، و نوّه بأرباب العقول و الألباب و النُهى ، و حثهم على استخدامها و مدحهم عليها ،و الآيات في ذلك كثيرة جدا . كما أن الله تعالى قد أنزل أحكامها متفقة مع العقول الصريحة و الفطر السليمة ، و لا يُوجد في أحكام الإسلام ما يتناقض معهما مطلقا .

(1) محمد فاروق النبهان: الفكر الخلدوني من خلال المقدمة ، ط1 ، بيروت ، مؤسسة الرسالة ، 1998 ، ص: 112 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت