فهرس الكتاب
و الرابع هو الشيخ تقي الدين بن تيمية ، ذكر صراحة أن هناك طرقا متعددة يُعلم بها كذب الأخبار من غير طرق أهل الحديث ، فتارة تُعرف (( بالعقل ، و تارة بما علم بالقرآن ،و تارة بما علم بالتواتر ،و تارة بما أجمع الناس كلهم عليه ، و من المعلوم أن الأخبار المخالفة للقرآن ،و التواتر و الإجماع ، و المخالفة للعقل ، يعلم بطلانها ) ) (1) . و قوله هذا هو أيضا غاية في الأهمية يُشبه قول الباقلاني ، و قولهما فيه رسم لمنهج تاريخي نقدي متعدد الطرق ، قائم على نقد المتون ، لكن في قوله-أي ابن تيمية- إن هناك طرقا يُعلم بها كذب الأخبار من غير طريق أهل الحديث ، فيه إشكال ، فهو إما أنه يقصد أن منهج أهل الحديث يقوم على نقد الأسانيد فقط دون المتون ، و هذا قول غير صحيح قطعا ، لأنه هو شخصيا يعلم أن منهج أهل الحديث يجمع بين نقد الإسناد و المتن معا ، و أن لأهله روايات كثيرة نقدوها من متونها ، و قد سبق أن ذكرنا كثيرا من أقوالهم في نقد المتون ،و سنذكر لهم شواهد أخرى كثيرة نقدوها من متونها .
و إما أنه -أي ابن تيمية- صدر عنه ذلك القول غفلة و سهوا و نسيانا . و إما أنه كان يقصد أن أغلب نقد المحدثين للأخبار إنما هو للأسانيد . و إما أنه كان يقصد أن طريق أهل الحديث يقوم على الجمع بين نقد الإسناد و المتن معا ، دون إلغاء لأحدهما ، و على الاحتمالين الأخيرين يكون قوله صحيحا .
(1) ابن تيمية: منهاج السنة النبوية ، ج 4 ص: 112 .